باتِّصالٍ هاتفي، أو عبر رسالةٍ نصيَّة:
"أخي العزيز على قلبي، تفضل على مائدة السُّحور، حضورك يشرفني كثيرًا."
هكذا اعتدنا الدعوة منذ الصغر؛ واضحة في لفظها، محدَّدة في معناها، لا لبس فيها ولا تجمُّل زائد.
لكن مع تغيُّر نمط حياتنا، ومع تسارع التَّواصل، أصبحنا نقرأ عبارة مختلفة:
"تفضل على غبقتنا"، أو "ننتظركم في الغبقة."
لا أدري تحديدًا متى تغيَّر اللفظ، ولا لماذا تغيَّر.
هل هو أثر التَّحوّل الرَّقمي الذي طال مفرداتنا قبل أن يطال أدواتنا؟
أم هو تطوّر اجتماعي طبيعي يعيد تشكيل الكلمات كما يعيد تشكيل العادات؟
أم أننا نبحث عن مسمَّى أكثر عصريَّة لشيء قديم؟
في الحقيقة، حاولت البحث عن أصل كلمة "الغبقة": معناها، تاريخها، ومتى بدأ استخدامها بهذا السِّياق. لم أجد جوابًا حاسمًا يبدِّد التساؤل. وعلى فرض أنَّها كلمة قديمة كانت تُستعمل للاجتماع على مائدة طعام ليلًا، فإننا نعلم أنَّ كثيرًا من الألفاظ تولد اجتماعيًا، ثمَّ تتحوَّل مع الزَّمن إلى عُرفٍ سائد، دون أن يكون لانتشارها ارتباطٌ مباشر بأصلها اللغوي أو معناها الدَّقيق.
غير أنَّ المسألة في نظري ليست مجرَّد تحوّل في مفردة؛ بل تحوّل في الذَّائقة ذاتها.
فقد كانت الدعوة قديمًا تحمل في عبارتها روح الترحيب قبل أن تحمل موعد اللقاء؛
"تفضل على مائدة السحور"،
جملة فيها معنى الإكرام، وفيها حضور المائدة، وفيها شرف اللقاء.
أمَّا اليوم، حين تختصر الدعوة في كلمة: "غبقة"، فإنَّ شيئًا من دفء العبارة يتراجع، ويحلّ محله توصيف عامّ أقرب إلى عنوان مناسبة منه إلى دعوة شخصيَّة.
وهل سنشهد بعد سنوات إضافات لفظيَّة جديدة وأوصاف لاحقة؟
هل تجعل الدعوة أقرب إلى إعلانٍ منها إلى لقاءٍ ودي؟
وهل ستعتاد الأجيال القادمة هذا النمط حتى تنسى بساطة العبارة الأولى ودفء الدعوة التي كانت تُقال من القلب؟
وهل من المناسب أن نرى أو نسمع رجالًا تفوق أعمارهم الستين يدعون بمسمى "غبقة" أو "غبقتنا"، بعد أن كانت الدعوة تقول ببساطة: "تفضل على شرف المائدة".
أنا لا أقاوم تطوّر اللغة، ولا أطالب بتجميد الألفاظ في زمنٍ مضى، لكنني أتساءل بصدق: حين تتغيَّر الكلمات، هل يبقى المعنى كما هو؟
وحين تُختصر العبارات… هل يبقى الودُّ كاملاً؟
فاللغة ليست أصواتًا فحسب؛ إنَّها حاملةُ شعورٍ، ومرآةُ ذائقة، ومقياسُ دفءٍ اجتماعي.
وكلَّما تغيَّرت مفرداتنا، يجب أن نسأل: هل تغيَّر التعبير فقط… أم تغيَّر ما وراءه أيضًا؟
في النهاية، ليست المشكلة في كلمة "غبقة" نفسها، ولا في أي تسمية حديثة قد تظهر مع الزمن؛ وإنَّما في أن تتحوَّل الكلمات إلى أشكال جامدة، تفقد دفء المعنى وروح اللقاء.
فالدعوة التي كانت تُقال من القلب، حاملةً شرف المائدة وودَّ الضيف، لا ينبغي أن تتحوَّل إلى مجرد عنوانٍ أنيقٍ لمناسبة عابرة.
ربما تتغيَّر الأسماء، وربما يتبدَّل الأسلوب؛ لكن الأجمل أن تبقى الدعوة دعوة، وأن يبقى في العبارة شيءٌ من الرُّوح التي تجعل اللقاء ذا معنى، قبل أن يكون مجرَّد كلمة على رسالة أو بطاقة.
فاللغة تعكس المجتمع، والمجتمع يعكس اللغة، والواجب علينا ألَّا نترك الذَّائقة الأصيلة تتلاشى وراء عناوينٍ فارغة؛ بل نحافظ على دفء التَّعبير وصدق الدَّعوة كما عرفناه منذ الصغر.



