04 , مارس 2026

القطيف اليوم

ورشاتٌ تُعيد للذاكرة نبضها.. الحِرفة حين تُمارَس تُبعث من جديد

⁃ البراحة
ليلة الأربعاء 3 مارس 2026، وفي رحاب كلية العمارة والتخطيط بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام بالتنسيق مع المعماري مصطفى الخميس، لم أقدّم ورشة تفاعلية فحسب، بل عشتُ تجربة مختلفة في مستوى الطرح والحوار وعمق التفاعل. لم تكن الأولى في مسيرتي، لكنها كانت استثنائية بمكانها، وبنخبة حضورها من المعماريين، وبالطريقة التي تحوّل فيها اللقاء من عرضٍ تقليدي إلى مساحة حوار وتفكيرٍ حيّة تتقاطع فيها الخبرة بالممارسة، والفكرة بالتجربة.

هناك لحظات مهنية تشعر فيها أن ما يحدث ليس نشاطاً عابراً، بل بوابة لفكرة أكبر. تلك الورشة أعادت إلى ذاكرتي سؤالاً جوهرياً: ما قيمة الورش التفاعلية حين يقدمها ممارسون حقيقيون؟ حين يتحدث المعماري أو الحرفي أو الباحث من قلب التجربة، لا من هامشها، تتحول الورشة إلى مختبر حيّ تُنقل فيه المعرفة بوصفها ممارسة، لا معلومات.

إن الورش التي يقودها متمكنون علمياً وعملياً لا تكتفي بإلهام الحضور، بل تعيد ترتيب مفاهيمهم، وتفتح أمامهم أفقاً جديداً لفهم العمارة بوصفها مسؤولية ثقافية واجتماعية قبل أن تكون شكلاً أو مشروعاً. ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال ليؤكد أن الاستثمار في تقديم الورش النوعية، على يد أصحاب التجربة المتجذرة، هو استثمار في وعي الجيل القادم، وفي جودة الممارسة المهنية، وفي حفظ الهوية المعمارية من التكرار السطحي أو الاستيراد غير الواعي.

فالورشة ليست فعالية عابرة! بل قد تكون شرارة مقال، أو بذرة مشروع، أو بداية تحوّل في طريقة التفكير.

⁃ المدخل
الحِرف اليدوية التقليدية صحيح هي ذاكرة لزمن جميل قد نقتنيها أو نعلّقها في بيوتنا أو تعرض في المتاحف، ولكن هي أكثر من ذلك بكثير. هي ذاكرة وروح مجتمع، وبصمة هوية، وسجلٌّ حيٌّ لثقافةٍ عريقة. وفي واحة القطيف، حيث تماهت العمارة مع البحر والنخلة والسوق والبر، تشكّلت منظومة واسعة من الحِرف التي لبّت حاجات الناس وصاغت تفاصيل حياتهم اليومية. غير أن تسارع الحداثة وتبدّل أنماط العيش جعلا كثيراً من تلك المهارات اندثرت، ومن هنا تأتي أهمية الورشات التفاعلية، فهي خطوة عملية لإحياء بعض الحِرف، ونقلها من الذاكرة الشفوية إلى الممارسة الحيّة.

⁃ الدهليز
أولاً: من الإندهاش والمشاهدة إلى الممارسة
المعرفة النظرية لا تحفظ الحرفة، بل الممارسة.

حين تُقام ورش للزخارف الجصية، أو لترميم الصناديق المنجّمة (المبوّتة)، أو لفن النقدة، فإننا نمنح المشاركين فرصة لاكتشاف أسرار الصنعة بأيديهم. وكذلك حين تُنظم ورش للخوصيات، حيث تُجدل سعفات النخيل لتتحول إلى أوعية، أو لتعليم صناعة الأسل، أو تشكيل الفخار، أو طرق النحاس والحديد عند الصفار والحداد، أو تشكيل الخشب عند النجار، فإننا لا نعيد إنتاج أدوات فحسب، بل نعيد إنتاج الوعي بقيمة العمل اليدوي. وتشمل هذه المنظومة أيضاً حرفة القلاف الماهر في صناعة السفن الخشبية، وصناعة القراقير وشِباك صيد الأسماك، والجصاص، والدهان التقليدي، والمسجن، والبناء، والخباز الشعبي الذي يحفظ أسرار التنور ورائحة الخبز القديم. كل حرفة من هذه الحِرف تحكي جانباً من قصة المكان، وكل ورشة تعيد فتح نافذة على تلك القصة.

⁃ الحوي
ثانياً: إعادة الاعتبار للحرفي
الورشات التفاعلية تضع الحرفي في موقعه الطبيعي! أستاذاً ومعلّماً وصاحب خبرة.

حين يقف الحداد أمام طلابه، أو يشرح صانع القراقير كيفية توزيع الأسلاك بدقة، أو يبيّن الجصاص أسرار صناعة الجصّ وتوقيت حرقه، فإنهم لا ينقلون مهارة فحسب، بل ينقلون قيماً عالية: الصبر، الدقة، احترام المادة، والإخلاص في العمل. إن هذا التقدير المعنوي يعيد للحِرفة مكانتها الاجتماعية، ويمنح الجيل الجديد قدوة حقيقية في الإتقان والاعتزاز بالمهنة.

⁃ الْمٰحَجْر
ثالثاً: حماية الهوية من الذوبان
حِرف الخوص والفخار والنجارة والحدادة، وصناعة الشباك والقراقير، ليست أنشطة منفصلة. إنها شبكة ثقافية متكاملة تعكس علاقة الإنسان ببيئته:

من النخلة خرجت الخوصيات،
ومن الطين خرج الفخار والجص،
ومن البحر خرجت أدوات الصيد،
ومن السوق تشكّلت مهن الخباز والدهان والمسجن، والتمار، والصباغ، والصايغ… الخ.

إحياء هذه الحِرف عبر الورشات التفاعلية يحمي الهوية من الذوبان في منتجات صناعية متشابهة لا روح لها، ويؤكد أن المهارة التقليدية ليست بديلاً ضعيفاً عن الصناعة الحديثة، بل ركيزة أصيلة في بناء المجتمع.

⁃ المربعة
رابعاً: رعاية المملكة للحِرف بوصفها مفردة اقتصادية
لم تعد الحِرف اليدوية مجرد نشاط تراثي، بل أصبحت جزءاً من مفردات الاقتصاد الوطني. فقد أولت المملكة اهتماماً متزايداً بالحِرف التقليدية ضمن توجهاتها الثقافية والتنموية، انطلاقاً من رؤية شاملة 2030 تجعل التراث رافداً اقتصادياً ومعرفياً. وتسعى جهات وطنية مثل هيئة التراث وهيئة العمارة والتصميم إلى دعم الحرفيين، وتوثيق المهن التقليدية، وتنظيم المعارض والبرامج التدريبية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تؤكد على تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد الإبداعي.

إن إدماج الحِرف في منظومة الاقتصاد يعني توفير فرص عمل، وتمكين المشاريع الصغيرة، وتحويل المهارة التقليدية إلى منتج معاصر قادر على المنافسة محلياً وعالمياً. وهنا تتعاظم أهمية الورشات التفاعلية، لأنها تمثل البوابة الأولى لاكتشاف المواهب، وتأهيلها، وربطها بسوق العمل.

⁃ الخلوة
إن تقديم ورشات تفاعلية للحرف اليدوية هو فعل وفاء للمكان، ورسالة مسؤولية تجاه الأجيال القادمة. فالحِرفة إن لم تُمارَس تموت، وإن لم تُعلَّم تُنسى، وإن لم تُقدَّر تذبل!!! ومع الرعاية الوطنية المتزايدة، أصبح إحياء الحِرف خياراً استراتيجياً لا ثقافياً فحسب.

وحين تتكامل الجهود، تتحول الحِرفة من ذكرى جميلة إلى قوة اقتصادية وثقافية حيّة، تصوغ ملامح المستقبل بثقة، وتثبت أن التراث ليس ماضياً منتهياً، بل ثروة متجددة.


error: المحتوي محمي