الثالث من شهر مارس ٢٠٢٦م، يوم ماطر في القطيف ونواحيها. لعلّ الذي أنزل المطرَ ينزل علينا ونحن في ضيافته في شهر رمضان شآبيب من رحمته.
لا أعرف كلما يقول لي أحد: "اطمّن ما راح نختلف" أبلع ريقي لأنها جملة تجعلني أحيانًا أقفز من الفرح ومن الخوف في آنٍ واحد! جملة حمالة أوجه. الوجه المتوقع أن الكلفة والجودة والصدق في الميعاد سوف ترضيني. أما ما يحصل غالبًا أن إذا كانت الجودة مناسبة فإن السعر الذي كنت أظنه خمسين صار خمسمائة لا بد من دفعها لأنني لم أناقش السعر قبل البدء في العمل، ناهيك عن الموعد!
أظن أن السرّ يكمن في كلمة "اطمئن" التي في لهجتنا القطيفية تنطق "اطمّن"!
"تطمن بعد يومين تخلص إن شاء الله" ثم تصبح اليومين أسبوعين أو حتى شهرين. "اطمن نتفاهم على السعر بعدين" ثمّ يصبح الألف ألفين. المواعيد المفتوحة والتكلفة الغير معروفة ومكتوبة عادة ما تنتهي بخيبة أمل لأحد الطرفين. قاموس لغتنا مملوء بالجمل القصيرة مثل "بعد يومين ويرجع المبلغ"، "بعد يومين ويجيك العامل"، "بعد يومين تصلك الطلبية". أمثلة كثيرة تدل على غياب الدقة في المواعيد والحاجة الملحة لتقدير الكلفة قبل العمل.
ربما كان عدم الاتصال والاعتذار على خلف الموعد مقبولًا قبل وجود وسائل التواصل أما الآن فإن احترام المواعيد ميسر والإبلاغ عن سبب التأخير سهل جدًّا. عدا ذلك يعد استخفافًا بوقت الآخرين ويعبر عن شخصية من يخلف الموعد دون عذر يستحق!
وثق، طالب، لا تقبل بنصف جودة ولا بوعد يزرعك في الشمس مثل شجرة لا تدري متى تحصل بمالك على ما تريد. اسأل عن التكلفة قبل العمل.
ألا تستغرب من عدم الدقة في المواعيد مع أنه من المفترض أن نكون أشد الناس حرصًا على الوقت؟ في شهر رمضان المبارك، نصوم على الثانية ونفطر على الثانية بحيث أن من يحتمل أنه يتأخر على وجبة الإفطار أو السحور يزيد من سرعته إلى حد التهور! عدا ذلك من المواقيت اليومية والشهرية والسنوية!
وإذا كنا نلوم من يستهتر بالوقت ولا يقيم وزنًا للمواعيد فإنا نشكر من يحترم المواعيد ويصدقها ونشجع على تغيير ثقافة خلف الموعد. {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا}؛ تذكر بعض كتب التفاسير أنه وعد وعدًا فانتظر صاحبه حولاً كاملاً.
صاحب إسماعيل - صادق الوعد - في ذلك الزمان لم يملك وسيلة اتصال أو حجزه حاجز لكن ما عذرنا في هذا الزمان عندما لا نفي بوعد أو لا نصدق في ميعاد؟
سواء أكان في حياتنا العامة أم في تجارتنا، في بيعنا وشراءنا، ومعاملاتنا حريّ بنا الصدق والدقة في المواعيد! "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة".



