لي… أم لنا؟
سؤال يبدو بسيطًا لكنه قادر على أن يهز بيتًا كاملًا من أساسه. ليس حديث مال فقط وإنما حديث قلب وحديث نية وحديث معنى الشراكة داخل الزواج. تلك اللحظة التي نقول فيها هذا لي… قبل أن نسأل أنفسنا بصدق أين نحن؟
عندما بدأت رسالة النبي محمد “ص” لم تكن الطريق ممهدة. واجه مجتمعًا كاملًا شكًّا واستهزاءً وضغطًا. ومع ذلك في بيته لم يكن وحده.
كانت السيدة خديجة “ع” إلى جواره بقلبها ومالها ومكانتها.
آمنت به حين كفر الناس.
وصدقته حين كذّبه الناس.
وواسته بمالها حين حرمه الناس.
استقبلت مصاعب الرسالة وبداياتها بثبات.
أنفقت من مالها دون حسابات ضيقة.
لم تسأل ماذا سأحصل مقابل ذلك.
لم تفصل نفسيًا بين مالها وماله.
رأت أن طريقه طريقها وأن رسالته رسالتها.
وفي المقابل كان النبي محمد “ص” زوجًا عادلًا وفيًّا.
حفظ لها قدرها.
ذكر فضلها في حياتها وبعد رحيلها.
لم ينتقص من عطائها.
لم يتعال عليها.
عاش معها بروح المودة والرحمة والعدل.
زواج جمع قلبين في اتجاه واحد لا شخصين في منافسة باردة باهتة.
ذلك البيت لم يقم على عقد فقط.
قام على ثقة.
على احترام.
على تضحية متبادلة.
على فهم أن الزواج شراكة حياة لا شراكة حسابات وأموال ومصالح.
إذا نظرنا إلى بعض واقعنا اليوم نرى صورة مختلفة أحيانًا.
الخلاف يبدأ من المال.
هذا راتبي.
هذا حسابي.
هذا واجبك.
هذا ليس عليّ.
تذكير دائم بمن دفع أكثر.
مقارنة مستمرة.
حساسية عند كل مصروف.
زوجة تشعر أنها مطالبة بتبرير كل ما تنفقه.
زوج يشعر أن كل طلب ضغط إضافي.
يتحول المال من وسيلة استقرار إلى مصدر توتر.
من دعم إلى عبء.
من تعاون إلى شد أعصاب.
فينقلب الزواج والعشرة إلى ما لا تحمد عاقبته.
الدين حفظ لكل طرف حقه.
صان ذمة الرجل والمرأة.
وضع حدودًا واضحة للعدل.
غير أن البيت لا يعيش بالحدود وحدها.
يعيش بالمودة.
بالمرونة.
بالشعور بأننا فريق واحد وسكن واحد وعِشرة واحدة وروح واحدة.
الفرق بين بيت النبي محمد “ص” والسيدة خديجة “ع” وبعض بيوتنا اليوم ليس في مقدار المال.
الفرق في الروح.
هناك كان المال في خدمة العلاقة.
وهنا قد تصبح العلاقة رهينة للمال.
هناك كان السؤال كيف نثبت معًا ونجابه الحياة بحلوها ومرها؟
وهنا قد يكون السؤال: من يتحمل أكثر؟
فكم بيت بدأ بخلاف صغير على نفقة وانتهى ببرود طويل أو انفصال.
كم كلمة “لي” كبرت حتى ضاقت المساحة على “لنا”.
كم طفل عاش بين أب وأم تحت سقف واحد بينما القلوب متباعدة.
الاقتداء ليس قصة تروى.
هو ممارسة يومية.
أن يفهم الرجل أن القوامة مسؤولية لا تسلط
وأن تدرك المرأة أن الشراكة قوة لا ضعف.
أن يدرك الاثنان أن العدل بلا رحمة قسوة
وأن حفظ الحق لا يعني أن ننتصر في حساباتنا المالية ونخسر البيت ونعمر صفو حياتنا.
لا يطلب من أحد أن يتنازل عن حقه.
المطلوب أن نحسن استخدام هذا الحق.
أن نعي أن الزواج روح واحدة في جسدين وأن نجاح أحدنا رفعة للآخر
وأن عثرة أحدنا مسؤولية مشتركة وسندًا لبعضنا بعضًا.
أن كلمة “لنا” أوسع وأدفأ وأحن من كلمة “لي”.
في النهاية سيبقى السؤال حاضرًا في كل بيت:
لي… أم لنا؟
الإجابة لا تكتب على الورق…
تكتب كل يوم في طريقة تعاملكما مع بعضكما.



