اسمي “ثائر” وكنت دومًا أكره أن أكون في المنتصف فلا اكون في الأعلى فيشاد بي ولا في الأسفل فيداس علي ولو بكلمة. حتى زواجي لم يكن قرارًا كما يظنه الجميع فقد كان اعترافًا ضمنيًا بفشل خطتي الكبرى في أن أحب امرأة “عاقلة”.
بدأ الأمر في قاعة مهملة بأطراف الجامعة حين جلسنا نتناقش في ندوة عن “الذكاء العاطفي في العلاقات الزوجية” كانت أمامي امرأة ترفع يدها باستئذان متكرر وتطرح أسئلة تُضحك الحضور لا لأنها فكاهية بل لأنها… على طبيعتها وفي ذات الوقت غريبة. كان السؤال الأغرب يومها:
“هل إذا أحبتني حمامة في الحلم يمكن أن تكون علامة على أنني جاهزة للزواج؟”
ضحك الجميع. أما أنا فكنت أشعر بشيء مختلف… تلك الضحكة التي تشبه رعشة داخلية كمثل حين تتذكر شيئًا حزينًا فتضحك.
اسمها “سِماح”. جمالها عادي ولكنها ليست قبيحة. ما وجدتها ذكية ولا غبية… أو على الأقل هذا ما ظننته. لاحقًا، سأفهم أنها أذكى بكثير من كل النساء اللاتي قرأن كتبًا عن الحب ولم يعشنه.
تقدمت لها رغم اعتراض كل أصدقائي.
قال صديقي عادل:
“أنت مجنون؟ بتتزوج وحدة تظن أن الأحلام تحمل قرارات مصيرية؟”
ضحكت. لم أكن مجنونًا. كنت باحثًا عن السكينة… لا باحثًا عن الفلسفة.
تزوجنا. وبدأت الرحلة التي قلبت مقاييسي كلها رأسًا على عقب.
في البداية ظننتُ أنني الرجل الذكي في المنزل وأن دوري هو توجيهها إصلاحها وتعليمها كيف تتعامل مع الحياة. كانت تضحك كلما قدمت لها موعظة أو نصيحة. تقول:
“أحبك لأنك تفكر عني.”
وكنت أفرح بهذه الجملة… إلى أن بدأت أفهم أنني لم أكن أفكر عنها وإنما كنت أُفكر بها وأتغير بها وأقرأها كل يوم كما يُقرأ كتاب مكتوب بلغة عاطفية غير مفهومة. لم تكن سذاجتها جهلًا فقد كان اختيارًا نعم نعم أختيارًا. كانت تختار أن تبسط العالم إلى أبسط ما يمكن.
دخلنا في خلاف صغير. تركت الغرفة لأني لم أتحمل رأيها الطفولي وخرجت غاضبًا. بعد ساعة وجدتها تعد مائدة فيها طبق واحد لي وكتبت على ورقة:
“غضبك ليس مني هو من توقعاتك. وأنا آسفة أنك توقعت شيئًا غيري.”
تلك اللحظة… كانت أقرب إلى انكسار في روحي. رأيت في “غباوتها” ذكاءً غير ملوّث. ذكاء لا يريد أن يُبرِز عضلاته كونه يريد أن يحيا.
كنا نخرج كثيرًا. كانت تتكلم مع الناس بسهولة لا تخجل أن تقول “ما أفهم”. ذات مرة في مجلس عائلي سألتْ إحدى القريبات:
“أنتِ تحبين زوجك لأنه ذكي؟”
أجابت سِماح:
“لا… أحبه لأنه يسمعني حتى إذا قلت شيئًا بلا معنى.”
بدأت أكره ذكيّتي السابقة. تلك التي كانت تقاطعني لتكمل جملتي وتحلل شعوري وتخبرني بما يجب أن أشعر.
كنت أضحك كثيرًا مع سماح. حتى غباؤها الظاهري كان يمنحني ذكريات فريدة. قالت مرة:
“إذا اشتريت لي وردة اليوم سأظن أنني نجحت في اختبارك دون أن أختبرك.”
فعلتها. وقلت لها:
“نجحتِ لأنك لم تدرسي لا لأنك غبيّة.”
مرت سنوات. تغيرنا كثيرًا. صار عندنا طفلان. وذات مساء سمعت ابنتي الصغيرة تقول لأمها:
“ماما ليش بابا يقول إنك غبية وبعدين يضحك؟”
قالت أمها:
“لأن الحب يجعل الذكاء يُغنّي، والغباوة ترقص.”
ضحكت الطفلة… وبكيت أنا في سرّي.
اليوم، وأنا أكتب عن زواجي بسماح لا أكتب عن “المرأة الغبية” لكني أكتبُ عن الذكاء الذي لا يحب أن يتباهى. الذكاء الذي يسكن في حنايانا ودفؤنا وفي السكون والسكوت وفي اللحمة التي حرقتها لأنها تفكر بك سارحة وأنت لم تأتي وقد تأخرت عن وقت وصولك.
سماح لم تكن ناقصة عقل فقد كانت كاملة قلب بطيبته وفطرته. وأنا رغم كل كتبي وقرآتي لم أكن ذكيًا بما يكفي لأدرك ذلك إلا بعد أن ضحكت من نفسي ألف مرة.



