16 , فبراير 2026

القطيف اليوم

الكلمة نور

لا تتذمّري مني أيتها الكلمة، فلطالما كنتِ صديقتي ورفيقة دربي، نعم كنتِ مختبئة في داخلي ولا أتجرأ على كتابتكِ، فكم من أفكارٍ في خاطري دونتها في كلمات فتبعثرت وضاعت مني، وكم من كلماتٍ نطق بها لساني ولم أدوّنها فنسيتها وتلاشت، فأنتِ أيتها الكلمة بما فيكِ من معانٍ ومن أفعالٍ وأسماءٍ وحروفٍ صقلتها الأفكار في تلك الجمل للتعبير عن فكرةٍ أو قصةٍ أو قصيدةٍ أو خاطرةٍ أو شعرٍ جميلٍ قرأته العين فوصل للفؤاد فلامس مشاعرنا وإحساسنا.

إن الكلمة تُعدّ أصغر وحدةٍ في اللغة العربية ولها أقسامها المتعددة ومعانيها المختلفة، فالكلمة اسمٌ دلّ على معنى ولم يقترن بزمن، وما أكثر الأسماء من أعلامٍ متداولةٍ في وقتنا الحاضر، أسماء نعتقد فيها التميّز والجمال وهي خلاف ذلك بكثير، فالاسم له تأثير سلبي أو إيجابي على صاحبه، وخير الأسماء ما حُمّد وعُبّد، وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يغيّر بعض أسماء الصحابة، والكلمة فعل أمرٍ ومضارعٍ وماضٍ، والكلمة حرفٌ ينصب ويرفع ويجزم، والكلمة معنى قد نفهمه بالرغم من اختلاف ثقافات العالم ولغاتهم، إلا أن الإيحاءات قد تعبّر عن المعنى في كلمة، فالكلمة لها قوة كبيرة جدًا وتأثير على حياتنا، ولها منحنيات وأبعاد ودلالات، فقد تأخذنا الكلمة إلى رفيع الدرجات أو تُنزلنا إلى أدناها، فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة نور تنير القلوب، والكلمة رسالة ترشدنا وتنبهنا وتأمرنا وتنهانا، والكلمة حدٌّ لسيفٍ قد نسلّطه على رقابنا أو نسلّطه على غيرنا فيقطعهم وينهي حياتهم بسبب كلمة ربما تكون عابرة أو غير مقصودة.

فكم هي عظيمة تلك الكلمة الصادقة التي تنطق بالحق وتحقق العدل بعيدةً عن القيود والتحفظات، وما أعظمها من كلمةٍ قد تغيّر حياة البشر فترفعهم إلى مقام السمو أو تحطّهم في هاوية الرذيلة، الكلمة تعبيرٌ نستوحيه من مشاعرنا التي أحسسناها فأطلقناها ودوناها في كلماتٍ قد صنعتها ظروفٌ عشناها فتركت فينا أثرًا جعل النفس تعبّر عمّا في داخلها بكلمة، فانطلقت بين ألسن الشعراء والكتّاب والنقّاد وغيرهم فدونوها ونشروها، فانتقاء الكلمات والتعبير الجيد يعتمد اعتمادًا كليًا على ثقافة وشخصية الإنسان وطبيعة حياته ومشاعره وأحاسيسه والبيئة التي يعيش فيها، فنحن نعبّر عن مشاعرنا وإحساسنا بكلمةٍ ندوّنها، ونعبّر عن رأينا في موضوعٍ بكلمة صدق أو كلمة رأي قد تكون مخالفة أو مؤيدة، فنحن لا نملك سوى الكلمة التي نعبّر من خلالها عن واقعنا الجميل أو المرير، فهل أنت تملك حرية الكلمة لتتكلم وتنطق بما في داخلك؟

أحيانًا تكون الكلمة كالبحر الغاضب الهائج المتلاطم الأمواج التي لا مرسى فيه لسفينة ولا نجاة لركاب، فقل خيرًا يا سيدي أو اصمت.

وتارةً تكون الكلمة زكيةً كرائحة المسك والورد والياسمين، وتكون بلسمًا على القلب نسمعها ونصغي لها ونتمنّاها تستمر ولا تنقطع، ككلمة الحق التي تدافع عن المظلوم وتطلب العدل له وتنهى عن الباطل وترده لصاحبه. ونحن مقبلون على شهرٍ كريم، شهر الله عز وجل، شهر طاعةٍ وعبادة، وفيه تُغلّ الشياطين وترفرف الملائكة فتلتقط الأعمال والطاعات والعبادات، وفيه تلهج الألسن بذكر الله وتلاوة كتابه والاستغفار.

في الختام
نحن مقبلون إن شاء الله على شهر رمضان، شهر الله عز وجل وشهر كتابه، وهو شهرٌ كريم وشهرٌ مبارك، ففيه وُلد كريم أهل البيت الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، وفيه ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ويُعدّ هذا الشهر فرصةً للكثير من الناس لحفظ اللسان والتخلّص من الكلمة السيئة والغيبة والنميمة، والانشغال بالتسبيح والاستغفار وذكر الله عز وجل وتلاوة كتابه، فله ما له من أثرٍ جميل في حياتنا وآخرتنا، فاجعل هذا الشهر شهر استثمارٍ لآخرتك قبل دنياك.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين


error: المحتوي محمي