من تجربة شخصيّة أول أجهزة اشتريتها بعد بناء منزلنا عام ١٩٨٦م دامت عشرات السنوات؛ مكيفات الهواء، الثلاجة، غسالة الملابس، الطبّاخ، عدّ ما شئت من الأجهزة الكهربائية لم تخرب إنما قررنا استبدالها بغيرها طلبًا في الجودة والتجديد.
ثم الآن، كل صيف مكيف هواء جديد وثلاجة تتعطل والسيارة لا تدوم وكل شيء يبدو أن له مدة صلاحية مثل الأكل والدواء، نرميه ونشتري غيره.
هل لاحظتم كيف تبدو الأشياء القديمة أكثر متانة وعمرًا أطول من نظيراتها الحديثة؟ أنا لاحظت ذلك بالتأكيد. من المثير للاهتمام التفكير في سبب بقاء الأشياء القديمة لفترة أطول من الأشياء الجديدة.
أحد الأسباب هو الحرفية العالية. كانت المنتجات القديمة تُصنع غالبًا لتدوم طويلًا، لا لتُستبدل. الكراسي والأريكة الخشبية التي لا نزال نحتفظ بها في منزلنا منذ عام ١٩٨٦م مصنوعة من الخشب الصلب، والأجهزة قابلة للإصلاح، والآلات تُصمم مع مراعاة طول عمرها. عندما كان إنتاج شيء ما يتطلب وقتًا وجهدًا، كانت النتيجة النهائية تحمل قيمة ومعنى. أما اليوم، فغالبًا ما تُعطى الأولوية للكفاءة وخفض التكاليف وزيادة الأرباح، أحيانًا على حساب المتانة والجودة.
في أحد الأيام دعاني أحد الأصدقاء لزيارة مقتنياته القديمة ومنها سيارة مرسيدس صنعت عام ١٩٦٥م. ربما الطراز الحديث أجمل وأكثر راحة؛ مقاعد فارهة وإضاءات ملونة وخيارات لا نهاية لها لكن السؤال: هل السيارة الحديثة تدوم وتعمل أطول من ستين عام؟
كانت المنتجات القديمة تُصمَّم في كثير من الأحيان لتُصان وتُخدم وتُورَّث جيلًا بعد جيل. وهذا يُولِّد شعورًا بالاحترام بين المالك والشيء؛ إذ يُعتنى به، ويدوم طويلًا. الآن كل شهر رمضان نشتري مفرمة لحم وعصارة فواكه ونستبدل لمبات الإضاءة! هل هو مخطط له أن المنتجات تدوم لفترة استخدام قصيرة فقط؟
أظن أن من لديه أو لديها ماكينة خياطة قديمة يدرك هذه التجربة جيدًا! عمرها خمسون سنة ولا زالت تعمل! ليست أجمل من الجديدة ولا تحوي عشرين نوعًا مختلفًا من غرزات التطريز لكنها تعمل بكفاءة!
من المحتمل بل من المؤكد أن السر يكمن في رغبة المنتج في زيادة المبيعات والأرباح بسبب شراء منتج آخر أو قطع غيار وإصلاح. لذلك يخطط لما يسمى "التقادم المخطط له" أو planned obsolescence وهي سياسة تصنيع أو بناء منتج له عمر افتراضي قصير، لكي يصبح غير صالح للاستخدام بعد فترة محددة مسبقاً.
هل فكرت - القارئ الكريم والقارئة الكريمة - لماذا تكرر سبحة الإصدارات للهاتف الذي تحمله في جيبك ولماذا؟ هكذا أصبحت حياتنا نشتري ونرمي محكومين بأنماط كثيرة من تقادم مفروض وآخر مفترض!



