أنا متصالح مع نفسي! هذه جملة كثيرا ما نسمعها تتردد في أوساط أبنائنا الشباب وهي تُقال بثقة، ونحن بدورنا نستقبلها بكل ارتياح، وكأنها شهادة تبصيم على شعور باكتمال نفسي داخلي. غير أن طريقة التفكير الممنهج لا يجدر به ان يتعامل مع هكذا عبارات بنعتها حقيقة ثابتة غير قابلة للتمعن والنقاش. الجملة هي تصوير مجرد رمزي وانعكاس لارتياح داخلي وعليه فهي تحتاج إلى بعض من التوقف والتفحص والتدبر. التصالح هو مفهوم نفسي عميق بالرضا والارتياح، فالأولى ان لا يُقاس بالشعور اللحظي فقط، والاحرى والأفضل به ان يمسطر بمقدار كمية الوعي التراكمي الداخلي ممزوجا بسرعة وتسارع حركة تكامل النفس عبر الزمن. ما نقصده هو ان الإنسان كائن متحرك حتى وان بدا لك ظاهرا انه واقف جامد، فهو على العكس دائم الحركة الجوهرية العقلية والتغيير المستمر في عموم تفاصيل معيشته الدقيقة. كما انه يتقلب في منعطفات حياته الكبرى، ومن شاء أن يفقه نفسه استلزم عليه ان يتصفح هذا الانتقال مطالعة تفاؤلية واعية.
فمثلا القرآن الكريم يقرر حتمية وأهمية قانون التغيير الداخلي كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فهذه الآية تتعدى رمزية الخطاب الوعظي، الى سن وبيان قانون وجودي متكامل ومترابط. فما في الداخل الانساني هو المنشأ، بينما يبقى الخارج مظهرا وانعكاسا لما في الداخل. التغيير لا يتنزل على النفس من خارج حدودها، الا تراه ينبعث ويتشكل من جراء قراراتها ومن مراجعاتها لتلك القرارات، ومن وعيها الذاتي بأثرها. وحين يظن الإنسان واهما أن حاله مستقرة تمامًا وان لا ضرورة لاي تغيير في نسق حياته، حينئذ تتوقف عملية القراءة، ويصل الى مرحلة عقيمة من التبلد والتجمد في تلمس النزعة إلى التطوير والتميز.
في اعتقادي ان التفكير الممنهج حول (التصالح مع النفس) يبدأ من خلال طرح هذا السؤال المركب, تمعن معي! ماذا أعني بكوني متصالحًا مع نفسي؟ وهل أقصد انني قد وصلت الى مستوى من الرضا والقناعة الواعية بعد اكتمال أطوار المراجعة النقدية الدقيقة، أم انها فقط مجرد حالة ارتياح عابرة نشأت من نمطية سلوك الاعتياد الروتيني والرتابة المريحة البعيدة عن التأمل والتدقيق والتفكر؟ هذا التساؤل يرمي الى تحرير مفهوم التصالح من وضعيته العمومية المبهمة، وينتشله الى نطاق دقيق يمكن تحليله والتحقيق حوله ومسائلته. على الضفة الأخرى فان البقاء من دون هكذا استعلام واضح سيبقي الفكرة رهينة الضبابية العائمة، وسيتحول إلى شعار خاو يتردَّد في الالسن من غير انضباط. نلخص فنقول ان المنهج الذي ندعو اليه في هذا المقال يأمل في ان يعيد ترتيب نظرة التصالح في الذهن بطريقة نسقية واقعية مثمرة سليمة، كما يتطلب تعريفًا منضبطا للتصالح بحيث يخرجه من قيود الوهم الى حرية الواقع بكيفية يتسنى من خلالها قياسه بكيفية منهجية عملية.
بعد تحديد المفهوم، تأتي المرحلة الثانية وهي منصة الملاحظة والتغيير. لقد اعتدنا على ان نقرأ النفس من خلال سلوكها النمطي التمثل في المواقف والاحداث اليومية. طريقتنا في التعامل مع اخطائنا وزلات الغير، مستوى تقبل النقد، طبيعة الحوار الداخلي عند مواجهة بوادر الفشل، الشكل الذي سيئول اليه القرار عند التعارض بين المصلحة الشخصية والعامة. هذه بعض صور من المحطات التي تمثل بيانات حقيقية تحكي حال الإنسان وتأطر مفاهيمه. على ان القراءة الصادقة الهادفة لهذه البيانات ستؤول بمهمة الكشف عن مدى درجة النضج، وبالتبع ستوضح مواضع الخلل وتركز على الحاجة إلى العناية والتقويم. تذكر ياصديقي ان هدف الملاحظة هنا ليس البحث عن العيوب، بقدر كونه سعيًا بريئا للوصول لفهم اوضح للبنية النفسية الداخلية.
كوننا على اعتاب الشهر الكريم سنأخذ عبادة الصيام كمثال لنفهم دور التحليل. التحليل هو فن ربط المفهوم (المصالحة) والملاحظات عليها بالهدف الأعلى والأسمى من الصيام. يعني ببساطة يريد منا الشرع المقدس ان ننتقل من التركيز على بريق مظهر العبادة كممارسة روتينية (نصوم كما يصوم عامة الناس) الى أهمية التمسك بالهدف والغاية والجوهر من حث الشارع على عبادة الصيام. فإذا كان المراد الحقيقي من وجوب الصوم هو بناء جدار التقوى الراسخة كما في قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾، فإن التقوى هنا لا يمكن ان تحقق بالادعاء ولا بالتوهم وانما من خلال الإخلاص والعمل الجاد في مجاهدة النفس في خضم عبادة الصيام ومحاولة التغلب على اهواء النفس ونزواتها الملحة. مطلوب منا اثناء الصيام زيادة حضور الضمير، انتظام السلوك، الثبات والصبر في لحظات الغضب, والانتصار على الشهوات بالتقوى. التحليل في (ادعاء التصالح مع النفس) الذي ندعو اليه يدرس مدى التوافق بين ما تقوله انت عن نفسك من زعم وبين ما يظهر (لك وليس للناس) من اخلاص في أفعالها. تحليل الانسجام يمنحك الطمأنينة، بينما حصر التباين يفتح لك باب المراجعة والتطوير والاصلاح.
شهر رمضان يمثل فرصة مكثفة لهذه القراءة المتأنية, على ضوء ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله «أقبل إليكم شهرٌ من أفضل الشهور، شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله…». الدعوة إلى الضيافة الالهية تقتضي استحصال الاستعداد الذي يليق بهكذا المقام. التأهب لا يقتصر على مرتبة تحضير الوقت، انه يشتمل على محطة التحصيل والتأصيل لدرجة تهيئة النفس. من يدخل الشهر بوعيٍ اوضح لحركته النفسية الداخلية، يستطيع أن يستثمر أيامه في توجيه مسار الإصلاح الداخلي. بينما من يكتفي بالركون الى عبارة الاطمئنان (الى ادعاء التصالح مع النفس) يفوته جانب من عمق وتجذر تجربة التغيير والاصلاح.
ولأن النفس مسار متحرك، فإن الرياضيات تمنحنا صورة دقيقة لفهمها. في التفاضل يُقاس ميل المنحنى لمعرفة اتجاهه اللحظي، وفي التكامل تُجمع المساحات الصغيرة لتكوين الصورة الكلية. حياة الإنسان تسير على هذا النحو؛ الميل يظهر في تفاصيل الأيام، في رد الفعل، في قرار سريع، في لحظة خلوة. والمساحات تتراكم عبر الأفعال الصغيرة المتكررة. قراءة الميل تمنحك فهمًا للاتجاه، بينما عملية جمع المساحات يكشف لك مقدار وحجم التغيير الحقيقي. هذه النظرة العلمية تساعد على التعامل مع النفس كمسار قابل للقياس، بدل النظر العقيم لها على انها حالة مجردة جامدة صماء لا روح فيها.
التفكير الممنهج لا يكتفي بالاستيعاب، بل ينتقل إلى التخطيط. التخطيط في المجال الروحي يعني تحديد هدف واضح للشهر، واختيار قيمة يراد تعزيزها، وتعيين وسيلة عملية لمتابعة التقدم. كتابة ملاحظات مختصرة، تقييم أسبوعي، ولا تنتهي بمراجعة شاملة بعد انتهاء الشهر. هذه الإجراءات العملية تساعدك في تحويل النية في التغيير من مجرد امنية خاوية إلى برنامج عملي يمكن معايرته وتصحيح مساره. البرنامج سيتحول من كلمات على الورق إلى خطوات واقعية متلاحقة. من دون خطة عمل واضحة سيظل التغيير مجرد احتمال وحلم وربما وهم، بينما مع المخطط سيصبح مسارًا يمكن تتبعه واصلاحه.
إن الإنسان حين يراجع نفسه بهذه الطريقة العملية لا يفقد طمأنينته، انظر بدقة سترى انه يعمق فرص نجاح خططه الاصلاحية. السكينة الحقيقية تنشأ من معرفة الاتجاه، ومن الإحساس بالنمو المتدرج المطرد من خلال منحنى تكاملي واضح. كل عام سوف يضيف طبقة جديدة إلى بنائك النفسي الداخلي. بهذا التراكم الهادئ ستصنع تحولًا راسخًا في اتجاهك، وستمنح العبادة أثرًا يتجاوز زمنها المحدود حتى تصبح ملكة ولذة.
اسمح لي ببعض الكلمات القاسية! انت ستكون ساذجا ولست متصالحا مع نفسك حين تظن أنه لا توجد ثمة حاجة إلى التغيير ما دمت تؤدي ما اعتدت عليه من أعمال. السذاجة هنا تنبع من إهمالك لقراءة ميلك الداخلي، وإغفالك لحركة النفس الدقيقة. الحياة تمضي، والإنسان يتحرك معها، ومن لا يتابع مساره سوف يرتطم بالحقيقة المرة حين يلاحظ انه تركه يتشكل من غير وعي. اليقظة الفكرية تحميه من شرك هذه الغفلة، وتمنحه القدرة على توجيه ذاته نحو ما يريده ويتكامل من اجله.
انت مغبون ولست متصالحا مع نفسك حين تمر عليك مواسم الترقي العبادي من دون أن تضيف إلى نفسك مقدارًا محسوسًا من الوعي والنضج والتقوى. الغبن يستتر في إهمال الفرصة، وفي ترك المساحات الصغيرة تضيع سدى دون جمع، وذلك في تجاهل صارخ للقانون القرآني الذي جعل من التغيير مسؤولية شخصية فردية. من أدرك هذه الحقيقة جعل من التفكير الممنهج عادة دائمة، وقرأ نفسه بصدق وبصورة صحيحة، وضبط ميلها، وجمع أفعالها، وسار في طريق النمو والترقي بثباتٍ وبصيرة للوصول للتقوى.



