كنتُ يومًا في زيارة صديقٍ لي طبيبٍ في عيادته، فقال: سأخبرك سرًا، أترى هؤلاء المراجعين الذين تغصّ بهم قاعات الانتظار؟.. لقد كان بإمكان عددٍ كبيرٍ منهم أن يوفروا الجهد والوقت والمال الذي يصرفونه في عيادات الأطباء أو أروقة المستشفيات. قلت: كيف؟ قال: يشكو جلّهم من أمراضٍ ناجمة عن الشبع، فهذا مصاب بآلامٍ معوية، وذاك ازداد وزنه زيادة غير طبيعية.. وهلمّ جرّا.
كثيرًا ما كان يُقال: «كُلْ قليلًا تعِش طويلًا.. وصُمْ تعِش أطول بإذن الله». هذه المقولة مرتبطة بالنقيضين: الجوع والشبع، وغلب الجوع الشبع إذ اتفقت عليه معظم المجتمعات البشرية على مرّ التاريخ، وتفنّن العباد والزهاد وأهل الأدب في ذكر محاسنه في تهذيب النفس، والاقتراب من صفاء الروح، وتقوية الجسد، فيما حاز الشبع على كل السلبيات عند معظم أهل التأمل والإبداع.
نعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الأكل بكل وجه، كما جاء في الحديث الشريف: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه». من هنا أولت الأديان السماوية هذا الأمر عناية، ففرضت الصوم على بني البشر، ويأتي في طليعة المناسبات الدينية لدى المسلمين شهر رمضان المبارك، لما فيه من راحةٍ للمعدة من عناءٍ كابدته أحد عشر شهرًا متتالية، وإنقاص الوزن وتخليص الجسم من السموم، وفوق هذا وذاك فيه أيضًا نقاء النفس، وصفاء الروح، وكسب لمرضاة الخالق: «الصوم لي وأنا أجزي به».
عندما نطرح مفهوم الجوع فإن تداعياتٍ كثيرة تروح وتجيء في الذهن، هل يفهم الجميع معنى الجوع بمعنى واحد أم تراهم يختلفون في تحديده أو تعريفه؟ وهل نحن نحتاج إلى العودة إلى عصر الشحّ والإمكانات البسيطة؟ وكيف يرتبط مفهوم الجوع بإطار الصحة العامة ونمط الحياة؟ يُعرّف الجوع على أنه شعور ناتج عن الحاجة إلى تناول الطعام. وفي إطار هذا المفهوم فإن الصحة العامة، والوقاية من الأمراض، والارتقاء بجودة الحياة، الأقرب لتلك المقولة، أو ما يُسمّى بـ«صيدلية الجوع» وسيلة ناجعة للشفاء من أمراض وعلل كثيرة.
مشكلة الناس في هذا الزمان الإفراط في تناول الطعام، التي أصبحت طريقة حياة كل شخص في عصرنا الحاضر، وليس شيء أضرّ على الصحة من كثرة الأكل سواء كان بالكم أم الكيف، لقد أصبح واضحًا أن الأكل فوق الشبع يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة كالسمنة ومرض السكري وأمراض القلب وغيرها من الأمراض المرتبطة بالغذاء.
لقد دخلت على موائدنا كل أصناف الأطعمة وأندر أنواع الأشربة، وترسّبت في أمعائنا الوجبات السريعة بالوصفات الشرقية والغربية، حتى أصبحت تلك الأمعاء «أممًا متحدة» مصغّرة.. انغمسنا آليًا في معركة التهامٍ كبرى حتى فقدنا توازننا، وأصبحنا نلمس كيف أن غذاءنا صار داءنا، وكيف أن أمراض العصر المتخمة أصبحت تلاحقنا وتهددنا كسببٍ هام للمرض بل ربما الموت.
المتأمل في سلوك كثيرٍ من الناس أنهم يأكلون تلبيةً لحاجة البطن، نحن في بلادنا لا نجوع ولله الحمد، والأسوأ أننا دائمو الشبع، بل أزعم أننا نأكل كثيرًا لأننا تعوّدنا على هذا النمط..! إن إحدى مصائبنا الغذائية التي تجعلنا في أحضان «المعمعة» الدوائية أننا لا نجوع.. لا نجوع بالقدر الكافي لاستحقاق وجبة طعام تليها، ونأكل كثيرًا لأننا اعتدنا الأكل في كل الأوقات، ولأننا «طفشانين» فنذهب إلى المطاعم زرافاتٍ ووحدانًا.
اليوم نزور المستشفيات ونلاحظ أن الزحام يبلغ مستواه العالي في غرف الأطباء.. في صورة لا أعتقد أن الطبيب مهما بلغ إخلاصه يستطيع أن يحيط بأمراض مرضاه أو يتثبت من سير عللهم.
وأخيرًا، تبدّل حال مجتمعنا من قصة الجوع بكل تفاصيلها المأساوية إلى واقع الثراء الغذائي، حيث أصبح الناس يُنفقون المال لإصلاح الخلل في أجسامهم من فرط تناول الغذاء. هل حدث لدينا انقلاب غذائي كبير تتجاذب أطرافه معطيات الحياة؟.. يوصف الجوع لشفاء المرضى، والشبع يجرّنا إلى ما لا تُحمد عقباه!!
لقد عرفنا طريقنا إلى تلك الغاية: «كُلْ قليلًا تعِش طويلًا.. وصُمْ تعِش أطول بإذن الله».



