• ×
السبت 26 جمادى الثاني 1443

مهرجان الدوخلة .. والعمل التطوعي

12-21-1431 02:11 صباحاً 936 زيارات

للعيد نكهته الخاصة، وكثيرا ما قادنا الحنين لنتذكر العيد أيام زمان، وما كانت تحف به من أفراح وليال ملاح، يدوم فيها السهر، وتكبر السعادة لتكون بحجم المساحة التي تضم المتواجدين هنا أو هناك، وتتعداهم إلى أمداء بعيدة وفضاءات واسعة، حيث يمارسون العادات والتقاليد البهيجة التي تحيل العيد إلى عرس جميل، لا ينسيهم معناه التعبدي، لكنه يقربهم أيضا إلى الفرح والابتهاج والشعور بما يحمله العيد من معان سامية وأهداف نبيلة لإشاعة التكاتف والمحبة والتسامح بين أفراد المجتمع، وفيه تصفو النفوس، وتندحر الشحناء، لكن مظاهر العيد كما كانت في سالف الأيام تكاد تنصرم حبالها التي تربطنا بها، لولا بعض الجهود المبذولة في بعض المدن الساحلية والريفية التي لم تطغ عليها مظاهر الحياة العصرية، وما تحمله من أدوات اجتثاث الماضي أو تدميره.

من ذلك ما شاهدناه في مهرجان الدوخلة الذي أقامته محافظة القطيف على ساحل سنابس، وتوافد إليه جمهور غفير من أبناء المنطقة والمناطق الأخرى، وبعض دول الخليج، وحملت فعالياته العديد من النشاطات الشعبية من حرف وأسواق وألعاب وغيرها، إلى جانب معارض الفنون التشكيلية وورش الرسم للصغار والكبار والخط العربي والتراث البحري وملامح الحياة في الماضي، وفعاليات النادي الثقافي، إلى جانب فلكلور الدوخلة وما صاحبها من أناشيد وأهازيج بحرية، وما رافق ذلك من أجواء عائلية شملت التسوق والتنقل في أرجاء وأقسام المهرجان الذي احتل مساحة كبيرة من شاطئ سنابس. وخصص جزء منه للنساء فقط. وتركت بقية أقسام المهرجان لمن يشاء من العائلات.

ما يلفت النظر في هذا المهرجان إلى جانب فعالياته الشعبية والتراثية والثقافية.. هو اعتماده على العمل التطوعي، ويقول المشرفون على المهرجان ان هناك ألف فتى وفتاة، تطوعوا للعمل في هذا المهرجان الذي تمددت فترة عروضه نتيجة الإقبال الشديد على فعالياته المختلفة، وهذا العدد من المتطوعين الشباب يفتح طاقات الأمل في إشاعة ثقافة التطوع في المجتمع، وهي بادرة يجب أن تشجع وأن تتاح فرص التطوع لمن يملك هذا الحس الاجتماعي والوطني والإنساني النبيل، وقد كان التطوع ظاهرة في مجتمعنا في الماضي، ولكنه تراجع كثيرا عما كان عليه في الماضي، ومهرجان الدوخلة يعيد هذه الظاهرة .. لتصبح تقليدا سائدا في المجتمع، كما كانت في السابق، تجسيدا لما ورد في الأثر من أن المسلم لأخيه المسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فإذا اشتكى منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمى، فالتطوع عمل اجتماعي نبيل يعيد إلى الأذهان سيرة الآباء والأجداد الذين كانوا يحققون تكافلا اجتماعيا جديرا بالتقدير، ومهما قيل عن التطوع كقيمة سلوكية نبيلة، فإن هذا القول يظل قاصرا عن استيعاب تلك المعاني السامية للتطوع، عندما يتخلى الإنسان من فرديته، ويندمج في العمل الجماعي المبني على وعي تام بمسئولية الانتماء الاجتماعي والوطني، وما يعنيه من واجب المشاركة في بناء الإنسان، والرقي بمستوى التفكير لدى إنسان هذا العصر الذي تكاد مظاهر الحياة العصرية تطمس كل نوازع الخير والتعاون في نفسه، ناسيا : (وتعاونوا على البر والتقوى) ومن البر التطوع في عمل الخير، ومن التقوى الإسهام في بناء المجتمع وتطوره، وتوعية أفراده وتثقيفهم لينشأوا أقوياء قادرين على مواجهة تحديات الحياة، والإجابة على أسئلتها الصعبة، أليس المؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف؟!

تحية تقدير وإكبار لكل من شارك من المتطوعين والمتطوعات في هذا المهرجان، الذين آثروا المشاركة في إدخال البهجة على نفوس الكبار والصغار في مناسبة سنوية أصبحت بعد ست سنوات من الممارسة الجادة في إقامة هذا المهرجان الشعبي .. محط أنظار من تهفو نفوسهم لمعرفة تاريخ الآباء والأجداد، وصراعهم للحصول على لقمة العيش، وما يتعرضون له في سبيل ذلك من معاناة قاسية وظروف صعبة لا يتحملها إلا ذوو العزم من الرجال والنساء.
أكثر