• ×
السبت 26 جمادى الثاني 1443

الدوخلة في مثل هذا اليوم

12-17-1431 07:32 صباحاً 951 زيارات

في مثل هذا اليوم من العام الماضي كنت أتجول في أزقة جزيرة تاروت باحثا عن موقع مهرجان الدوخلة ومع أني اصطحبت عائلتي فإنني كنت ذاهبا في قرارة نفسي للاطلاع والاطمئنان على سير عمل معرض الكتاب هناك.

وفي أحد الشوارع الفرعية الضيقة الذي لا يكاد يستوعب سيارة واحدة عرضا اصطفت السيارات في طابور طويل حتى ظننت أنه لن ينتهي، أفكارٌ كثيرة وأحكام مسبقة كانت تزدحم أيضا في مخيلتي حول المهرجان، وماعساه أن يقدم؟ وإلى أي مدى يمكن أن يخرج عن السياق؟

أما ما قصدت عن السياق وحتى لا يكون الكلام مبهماً- فيكفي أن ننظر إلى فعاليات المهرجانات السياحية المحلية التي باتت تعج بها مدن المملكة دون أن تمتلك تلك الجهات المنظمة رؤية أو قدرة على تنفيذ فعالية سياحية ثقافية تجارية شعبية حقيقية كما فعل أهالي القطيف في الدوخلة.

وأنا أسير في تلك الأزقة كنت أتساءل ماذا يمكن أن يفعل أهالينا في القطيف وتاروت تحديدا ونحن نشق الاحياء الشعبية البسيطة التي تحيط بالمكان، فيما تقتصر المهرجانات في كبريات مدن المملكة على إطلاق الألعاب النارية أو عروض تسوق أو جولة لمتحف وغيرها، وأحيانا تقام مسرحيات متواضعة المستوى أو حفل تهريج للأطفال بصورة تميل إلى العشوائية، وتختتم سريعا وسط تضاؤل في أعداد الحضور.

كل ما سبق جميل مع إجراء بعض التعديلات البسيطة لكن الأجمل أن نمتلك رؤية تسبق تلك الجهود المتناثرة لنفكر أي نوع من المهرجانات يناسب هذه المدينة، وأي فكر وقيم وأخلاق نريد أن نزرعها في تربتها.

بعد فترة ليست بالقليلة من السير البطيء توقفت عند مساحة كبيرة من الأبنية الشعبية المتناسقة، والفعاليات التي علمت لاحقا أنها شيدت بأيادي 100 شاب من أبناء المحافظة من المتطوعين والمتطوعات، وقفت أحيي تلك الزراعة الأصيلة لروح العمل التعاوني والخيري لإسعاد اهالي المحافظة، وتقوية الروابط بين أبناء تلك المحافظة.

وعندما التقيت بالمسئولين هناك قال لي أحدهم إن عدة حوادث حصلت بين شباب المحافظة خلال الأعوام السابقة بسبب الفراغ جعلتنا نصر على أن نخلق واقعاً يشغل الشباب بما ينفعهم ويرفه عنهم وعن عوائلهم، ويزيد من ترابطهم تلك هي الرسالة.

اصطحبني المنظمون لزيارة القرية الشعبية وفي الطريق كانت مئات العوائل المنتجة تعرض بضائعها، جنبا إلى جنب مع تجار المأكولات والملبوسات الشعبية،وفي الزاوية عرضت مئات اللوحات الفنية، والصور الفوتوغرافية بجانب مبدعيها رجالاً ونساءً، بينما وقفت بعض الفنانات تعلمن عشرات الأطفال الإبداع رسما و نحتا وخطا.

دخلت القرية الشعبية التي بناها الشباب المتطوعون فإذا بها تصور القطيف التاريخية بكامل أبعادها البيوت والأسواق والمقاهي والمجالس الشعبية بكامل تفاصيلها من غرف ودورات مياه و أثاث بوجود الحرفيين الذين باعوا خلال المهرجان الصناعات التي كانوا يصنعونها يوميا أمام انظار الزوار، وفي زاوية أخرى كان بعض من الأهالي يقصون حكايات الغوص قبالة عرض مجسم بني لهذا الغرض، وأمام الزوار لوحات مصورة لأبرز أعلام المحافظة في الغوص والحرف ، وبجانب كل صورة اسم الشخصية والتاريخ الذي عاشت فيه تخليدا لذكراهم.

خرجت وتجولت في المقهى الشعبي الذي كان يقدم المشروبات الشعبية مجانا، ثم رأيت اهتمام الناس بالكتب إنتاجاً وقراءة، واستمعت لآراء المتجولين في معرض الكتاب.

وأخيرا ودعت المهرجان ولم يكن لدي الوقت الكافي لأتناول العشاء على ضفاف الخليج، لكني لامست هناك كيف يمكن للرؤى الطموحة والتخطيط الصحيح أن يجمع الشباب دون مقابل مادي لتقديم شيء مثير للوطن أو المواطن، وكيف يمكن أن نكسب رضا الزائر..تحياتي،،
أكثر