• ×
السبت 26 جمادى الثاني 1443

تفاءلوا بالخير تجدوه

12-15-1431 10:20 صباحاً 939 زيارات

فرق الإسلام بين التفاؤل والتطير فأمر بالتفاؤل ونهى عن التطير. فالتفاؤل من الخصال الحميدة سواء في الفرد أو الجماعات كما أكد على ذلك التعاليم السماوية والحكماء والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم.

ففي القرآن الكريم تحدثت الآيات "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" و "ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون" و "فصبر جميل والله المستعان" وأيضا "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

وقد حث خاتم الأنبياء والمرسلين الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم على التفاؤل فمن أقواله: "تفاءلوا بالخير تجدوه" و "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز".

ومما يدل على ذلك ما حدث في قصة الحديبية "جاء سهيل بن عمرو فقال صلى الله عليه وآله ، سهل عليكم الأمر" ، وكما في قصة كتابه إلى خسرو برويز "يدعوه للإسلام فمزق كتابه وأرسل إليه قبضة من تراب ، فتفاءل صلى الله عليه وآله منه أن المؤمنين سيملكون أرضهم" (راجع صفحة 77 الجزء 19 من تفسير الميزان).

والأئمة الأطهار عليهم السلام جميعا حثوا على التفاؤل ففي قول لوصي رسول الله أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام "مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة" و "وما نلت من دنياك فلا تكثر عليه فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا" وأيضا "أول الغضب جنون وآخره ندم"

يقول أحد الحكماء: "علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي ، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي". ويقول حكيم آخر: "سر النجاح في الحياة أن تواجه مصاعبها بثبات الطير في ثورة العاصفة".

ما هو التشاؤم وما مسبباته؟

التشاؤم باختصار هو التفكير السلبي في رؤية الأشياء والمبالغة في تقييم الظروف والمواقف ، فهو الوهم الذي يحول اللاشيء إلى حقيقة لا لبس فيها.

يجتاحنا التفكير السلبي اثر مواقف تحدث لنا ، تتزايد قوتها عندما لا نمتلك الثقة التامة بأنفسنا وعندما نكون مترددين ومهيئين للركض خلف كل انفعال عاطفي وجاهزين للانسياق خلف كل موقف وتبعاته السلبية ونظل نجتر آثار ذلك على مدى بعيد.

في أغلب الأحيان لو تأملناها قليلا لتيقنا أننا كنا نضخم الأمور ولا نتعامل معها بروية وموضوعية.

من مشاكل التفكير السلبي الالتباس الذي نقع فيه بحيث أننا نتخيل أمورا على أنها الحقيقة التي لا لبس فيها وعلى ضوء ذلك تأتى ردات أفعالنا أعنف مما يجب وما أن تهدأ ثورتنا حتى نندم على ما فعلناه بعد أن نكتشف أن الأمر على حقيقته ليس كما تخيلناه.

لو تساءل أي منا: ما الفائدة من التشاؤم؟ هل سيزيح متاعب الحياة أو أي مرض أو ظلم من الآخرين؟ هل سيجلب سعادة ومالا أم عقدا وأمراضا؟

لن نرى العالم مشرقا ونحن نضع نظارة سوداء. الماضي لا يمكن أن يعود لصنع بداية جيدة لكن من الممكن العمل بجد ونشاط وبروح متفائلة لصنع نهاية جيدة. على الإنسان أخذ العبرة والخبرة من المشاكل من دون ندم على ما فات من أجل حياة سعيدة.

أثبتت الدراسات إن المتفائلين يعيشون عمرا أطول ويكونون بصحة أفضل مقارنة بالمتشائمين.

كما أن الدماغ يكون في حالة استقرار وراحة في الشخص المتفائل ، ويؤكد علماء النفس أن استقرار عمل الدماغ مهم جداً للحفاظ على صحة الإنسان النفسية والجسدية وينصحون بالتفاؤل كأسلوب مهم لعلاج الكثير من الأمراض النفسية.

كما أثبتت الدراسات أن للتفاؤل العديد من الفوائد الطبية منها أنه يقوي نظام مناعة الجسم ، ويمنح الإنسان قدرة على مواجهة المواقف الصعبة واتخاذ القرارات المناسبة ، ويوفر مرونة أكثر في العلاقات الاجتماعية والتأقلم مع الوسط المحيط.

التفاؤل من مسببات السعادة سواء في البيت أو العمل أو بين الأصدقاء فالبشر يميلون بشكل طبيعي إلى المتفائل وينفرون من المتشائم. المتشائم يعيش القلق حتى لو ثبت حقه والمتفائل يعيش السعادة حتى لو ثبت خطئه. المتفائل يرى فرصة في كل محنة والمتشائم يرى محنة في كل فرصة.

لاشك أن التفاؤل لا يعنى الخنوع أو الاستسلام للظلم ، بل هو بداية الحل لكل معضلة ، فتحقيق الأهداف بحاجة إلى العمل الجاد بروح متفائلة لا متشائمة.

سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام لم يبدأ القوم ، في بداية ملحمة كربلاء الخالدة ، إلا بالكلمة الطيبة والتفاؤل والرجاء يملأ قلبه بهدايتهم.

حتى بعد إصرار القوم عليه بالاستسلام للظلم أو الحرب أبى سلام الله عليه أن يستسلم للظلم ، وحارب مكرها بعزيمة الأبطال وهو مازال يدعو القوم للسلم وحقن الدماء حتى آخر لحظة من حياته الشريفة.

وقد حقق بذلك الانتصار الاسطوري الملحمي ، انتصار الدم على السيف ، والمظلوم على الظالم ، والحق على الباطل.

الزعيم الهندي مهاتما غاندي اقتدى بالإمام الحسين عليه السلام كما يتضح من مقولته المشهورة "علمني الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر" فقاوم الاستعمار في بلاده بالعزيمة والإصرار والتفاؤل وحقق بذلك انتصار ملحمي أسس على ضوءه دولة قوية بدستور واضح ، وهانحن نجد الهند وهي تنهض من كبوتها بعد سنين طويلة من استنزاف بريطانيا لثرواتها الطبيعية والبشرية ، لتصبح الآن من أقوى دول العالم على المستوى الاقتصادي.

غيبة الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف أيضا فيها روح تفاؤلية بتغيير قادم لا محالة لحياة العدل والمساواة بين جميع البشر بعد حياة ظالمة وقاسية ، فغيبته سلام الله عليه تمثل اختبار من الله سبحانه وتعالى للبشر جميعا.

في الأخير ما أجمل أن نبدأ أيامنا بابتسامات مشرقه. دعونا ننظر للحياة بايجابية وان نـتأمل إبداع الخالق وأن نثق بان من توكل على الله فهو حسبه وان بعد العسر يسرا.

لنتذكر جيدا بأنه لا يوجد في هذا العالم فرد أو مجتمع بلا مشاكل.

السعداء الحقيقيون هم أولئك الذين تعلموا كيف يروا العالم بصورة ايجابية رغم المشاكل وأن يتفاءلوا بوجود بصيص من نور في آخر النفق وإن بعد.

إذا نظرت بعين التفاؤل إلى الوجود رأيت الجمال شائعا في كل ذراته حتى القبح ترى فيه جمالا.

علينا أن لا ندع الحزن يسيطر والشيطان يوسوس ولنكسر اليأس بالتفاؤل والفرح. هيا نملأ الجو تفاؤلا وسعادة وننشر الابتسامة على وجوه الجميع ففيها راحة وصحة.

التفاؤل وقود لحياة هانئة تجلب معها منافع كثيرة للمجتمع وتساهم في نشر ثقافة المحبة والتسامح وحب الخير والتكافل الاجتماعي وتوفر المزيد من الجهد للعلم والعمل الصالح.

ولا بأس أن أختم بالأبيات التالية للشاعر إيليا أبو ماضي:

قــــــــال: الــســمـاء كــئـيـبـةٌ وتـجـهـمـا ..... قـلـت: ابـتسم يـكفي الـتجهم فـي الـسما
قـــال: الـصـبا ولـى فـقلت لـه: ابـتسم ..... لـن يـرجع الأسـفُ الـصبا الـمتصرما
قال: الـتي كـانت سـمائي فـي الـهوى ..... صــارت لـنـفسي فــي الـغرام جـهنما
خــــانــت عــهــودي بــعـدمـا مـلّـكـتها ..... قــلـبـي فــكـيـف أطــيــق أن أتـبـسـما
قـلـت: ابـتـسم واطــرب فـلو قـارنتها ..... قــضّــيـت عـــمــرك كـــلــه مـتـألـمـا
قــــال: الـعـدا حـولي عـلت صـيحاتهم ..... أأســرُ والأعـداء حـولي فـي الـحمى؟
قـــــــلـت: ابـتـسـم لـــم يـطـلبوك بـذمـهم ..... لـــو لـــم تــكـن مـنـهم أجــلّ وأعـظـما
قـــــــال: الـلـيـالـي جـرّعـتـنـي عـلـقـماً ..... قـلـت: ابـتـسم ولـئـن جـرعت الـعلقما
فــلــعــل غـــيــرك إن رآك مــرنــمـاً ..... طـــــرح الــكــآبـة جــانــبـاً وتــرنـمـا
أتُــــــــراك تــغــنـم بــالـتـبـرم درهــمــاً ..... أم أنـــت تـخـسـر بـالـبـشاشة مـغـنـما
يا صاح لا خـطرٌ عـلى شـفتيك أن ..... تــتــثـلـمـا والـــوجـــه أن يــتـحـطـمـا
فاضحــــك فإن الشهـــب تضحــك والدجى ..... مــتــلاطـمٌ ولـــــذا نــحــب الأنــجـمــا

أكثر