08 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

وأَعِدّوا… فالحياة لا تُبنى بالارتجال

يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. وما أعظمها من كلمةٍ حين افتتحت الأمر بالإعداد، وقدّمت التدبير على المسير، وجعلت الاستطاعة ميزانًا للتكليف، والقوة ثمرةً للتخطيط؛ فالحياة لا تُصان بالأماني، ولا تُبنى بالتواني، ولا تُنال غاياتها بالتسويف والتمني، بل بخطةٍ تُرسم، وعُدّةٍ تُحزم، وعزيمةٍ لا تُهزم.

إن قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ دعوةٌ إلى استباق الحدث قبل وقوعه، ومعالجة الخلل قبل اتساعه، وصناعة المستقبل قبل ضياعه؛ فالعاقل لا ينتظر العاصفة ليبحث عن المرسى، ولا ينتظر الفقر ليعرف معنى الادخار، ولا ينتظر المرض ليكتشف نعمة العافية، ولا ينتظر تفكك أسرته ليبدأ معها الحوار والرعاية.

وقد علّمنا القرآن التخطيط في قصة يوسف عليه السلام، حين قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ [يوسف: 47]؛ فكان التخطيط الاقتصادي ادخارًا في الرخاء، واستعدادًا للبلاء، وحمايةً للناس من الجوع والعناء. وعلّمنا التخطيط للمستقبل بقوله: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]؛ فسمّى الآخرة غدًا لقربها، وأمر بمراجعة الرصيد قبل حلول الوعيد.

فخطّط لمالك؛ فلا إسراف يبدده، ولا بخل يجمّده، واجعل لك ادخارًا يحميك، واستثمارًا ينمّيك، وصدقةً تزكّيك. وخطّط لأسرتك بالتربية قبل الشكوى، وبالحوار قبل الجفوة، وبالعدل قبل القطيعة، فقد قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. وخطّط لنفسك؛ فامنحها وقتًا للراحة، وعلمًا للفكر، وذكرًا للقلب، وصحبةً تدلّ على الخير لا تجرّ إلى الشر.

وكما نُعِدّ للدنيا عُدّتها، فعلينا أن نُعِدّ للآخرة زادها؛ قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]. فالزكاة إعدادٌ ليوم الحساب، والصدقة ظلٌّ يوم الاقتراب، وكفالة اليتيم رحمةٌ تُدَّخر، والعمل الصالح كنزٌ لا يندثر، وحسن الخلق ميزانٌ يعمر.

والشيطان عدوٌّ لا يملّ الإغواء، ولا يكفّ عن الإغراء، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]، وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 168]. ولا تكون عداوته بالشعار، بل بإعداد النفس للطاعة، وتسليح القلب بالتقوى، وتحصين العقل بالوعي، وتقوية الإرادة عن الهوى.

فمن خطّط لدنياه عاش عزيزًا، ومن أعدّ لآخرته لقي ربه فائزًا، ومن جمع بين حسن التدبير وصدق المصير، فقد أخذ من ﴿وَأَعِدُّوا﴾ منهاجًا، ومن التقوى سراجًا، ومن العمل الصالح نجاةً وفلاحًا.


error: المحتوي محمي