في قاموسنا القطيفي الجميل كلمة "طاحَ" فعل ماض تعني "سقطَ" وطيحات تعني سقطات. نقول طاحَ فلان يعني سقط فلان والسقوط عادة يكون من الأعلى للأسفل وليس العكس.
منذ أن أتينا إلى الدنيا، حين سقطنا من أرحام الأمهات، والسقطات تشكل هاجسًا لنا؛ في عمر الطفولة، في عمر الشباب، في كلّ عمر يمكن أن نسقط. في الخمسين أسقط، في الستين، في السبعين، في التسعين أو حتى في عمر ألفي سنة أسقط إن لم أنتبه!
في سنوات الطفولة يوم أو يومان تشفى جروح الطيحات وتذهب آثارها. أما في سنوات الكبر فآثار الطيحات تبرأ على مهل وقد لا تبرأ. أما أسوأ السقطات عندما يتقدم العمر فهي سقوط الاخلاق وسقوط المعاصي وسقوط الشهوات. سقطات نهايتها أخطر من كدمات أو رضوض.
يوم سقط قارون لم يسقط في قاع بئر، فرعون لم يَسقط من بناءٍ عال، أبو جهل لم يسقط من شجرة! أنا ضربتُ هذه الأمثلة كرسائل وإلا ما أكثر من يسقط في سنوات الكبر!
آخر العمر يجب أن يكون أجمل مرحلة فيهِ وأعلاها قيمة. مرحلة فيها نكون أقرب إلى النهاية من البداية. عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نودي أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى: * (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر)".
{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
لا تقل أنا أعرف الطريق. في الناس من تاهوا بعد أن كانوا يعرفون الطريق جيدًا، ما أكثرهم! الحفر التي نسقط فيها في الطريق عندما نمشي نراها لكن بعض الحفر التي نسقط فيها أخلاقيًّا، وحتى دينيًّا، قد يكون من الصعب رؤيتها دون تفحص، أو أن الشيطان يغطيها فلا نراها.
يا رب لا تجعلنا نضلّ الطريق، خصوصًا عندما يتقدم بنا العمر. لا نضلّ عندما نكون في الطريق إلى القبر، أرنا الحق حقًّا فنتبعه والباطلَ باطلًا فنَجتنبه. جنبنا لعنةَ آخر العمر. بحر الدنيا عميق يغرق فيه الصغير والكبير إلا من رحم الله سبحانه وتعالى.
طوبى للذين علاهم الشيب وما ضلوا الطريق. الذين يمتلكون الشجاعةَ والقوة فلا يجد الشيطان لعقولهم وقلوبهم أبوابًا مفتوحة. التاريخ مليء بأسماء الذين تاهوا عن الطريق في نهاية الرحلة وأسماء الذين اهتدوا الطريق قبل آخر منعطف.
رحمَ اللهُ أمهاتنا وآباءنا فلطالما كانوا يدعونَ اللهَ ويتمثلون القولَ الشعبي: "يا الله الشيب ولا العيب". الشيب الذي يأتي بعد مرحلة أنتهى فيها الطيشُ والغرور، ويسود فيها التأمل في الماضي والأمل أن لا يكون في المستقبل طيحات ولا سقطات.



