لم أعد أستغرب أن يقول شاب "لا أفكر في الزواج الآن" أو أن تصف شابة تكوين الأسرة بأنه مشروع مرهق.
الذي يستوقفني حقًا هو ذلك الشعور الذي يسبق الكلام وكأن المسؤولية أصبحت شيئًا يُخشى لا شيئًا يكبر به الإنسان.
وهنا أتوقف كثيرًا.
كيف أصبح الشاب يقبل أن يكون مسؤولًا أمام مدير ويلتزم بأنظمة شركة ويوقّع عقدًا يمتد سنوات ويصبر حتى آخر الشهر من أجل راتبه ثم يشعر أن الزواج أثقل من كل ذلك؟ وكيف ترى بعض الشابات مستقبلًا مهنيًا طويلًا أمرًا طبيعيًا بينما ترى بيتًا وأسرة قرارًا يحتاج إلى تردد لا ينتهي؟
ولا أظن أن الزواج هو المشكلة.. ولا الشباب كذلك وإنما الذي تغيّر هو نظرتنا إلى معنى الالتزام نفسه.
ولهذا لم تعد القضية تبدأ عند عقد الزواج وإنما قبله بسنوات. تبدأ داخل البيت عندما يكبر الابن والابنة وهما لا يحملان مسؤولية حقيقية ولا يتعودان أن هناك أعمالًا لا تُترك لأن المزاج تغير ولا مواعيد تُبدَّل لأن النفس لم ترغب فيها.. ثم يكبران ويكتشفان أن الحياة الزوجية لا تمضي بهذه الطريقة فيصطدمان بها لا لأنها صعبة ولكن لأنها مختلفة عما اعتاداه.
ومن يتأمل واقعنا يرى مفارقة تستحق الوقوف عندها فنحن لا نهرب من المسؤولية كلها ولكننا نهرب من المسؤولية التي يكون طرفها إنسانًا.
نقبل أن نلتزم مع مؤسسة ومع نظام ومع بنك ومع جامعة أما عندما يكون أمامنا زوج أو زوجة أو طفل فهنا يبدأ التردد لأن هؤلاء لا ينتظرون توقيعًا على ورقة وإنما ينتظرون حضورًا وصبرًا ووفاءً وقدرة على البقاء.
ولهذا لم يعد الطلاق في بعض الحالات نتيجة خلاف كبير ولكن نتيجة استعداد سابق للانسحاب.
نجد بعضهم يدخل الحياة الزوجية وهو يعرف كيف يبدأ ولكنه لم يتعلم كيف يستمر. يفرح باليوم الأول فإذا جاءت الأيام التي تحتاج إلى احتواء وتنازل وحوار ظن أن المشكلة في الزواج مع أن المشكلة كانت في الاستعداد له.
ولست أكتب هذا وكأننا اكتشفنا أمرًا جديدًا. فقد كتب الكتّاب وتحدث خطباء المجالس وأقام المختصون الدورات ونوقشت هذه القضية مرات لا تُحصى ومع ذلك ما زلنا نراها تكبر أمامنا وهذا يعني أن المسألة ليست نقصًا في النصيحة وإنما في التربية التي تسبق النصيحة وفي العادات التي تصنع شخصية الإنسان قبل أن يصنع قراراته.
نحن لا نحتاج إلى أن نقنع أبناءنا بالزواج فحسب ولكننا نحتاج أن نعيد للمسؤولية مكانتها في نفوسهم وأن يعرف الطفل منذ صغره أن هناك وعدًا لا يُنقض وعملًا لا يُترك وكلمة لها ثمن وأن البيت ليس فندقًا يتلقى فيه الخدمة وإنما مكان يتعلم فيه أن يكون نافعًا لنفسه ولغيره.
وعندما يكبر على هذا المعنى لن يرى الزواج سجنًا ولن يرى الأسرة حملًا ولن يخاف أن يكون سندًا لإنسان آخر لأنه تعلّم منذ البداية أن قيمة الإنسان لا فيما يأخذه من الحياة وإنما فيما يقدمه لها.
فالمسؤولية لم تكن يومًا عبئًا يُنقص الإنسان وإنما كانت الامتحان الذي يكشف معدنه والبيوت لا تقوم على البدايات الجميلة وحدها إذ تقوم على رجل وامرأة قبلا أن يعيشا الحياة كما أرادها الله لا كما تمليهما الرغبات والأهواء.



