30 , يناير 2026

القطيف اليوم

حين نفهم الحكاية نرى العمل الفني كاملًا

الفن بين التجربة، والسياق، وفعل التلقي.

البراحة

ليس العمل الفني شكلًا معلّقًا على جدار، ولا لونًا يمرّ أمام العين ثم ينسحب.

العمل الفني، في جوهره، حكاية؛ نعم، حكاية فنان، وزمن، وتجربة، وربما سؤال لم يجد إجابته إلا عبر اللون، أو الكتلة، أو الضوء، أو الفراغ.

ومن هذا المنطلق، لا يُفهم الفن بوصفه منتجًا بصريًا معزولًا، بل بوصفه أثرًا إنسانيًا ناتجًا عن تفاعل معقّد بين الذات والبيئة والزمن.

   •    كثير من المتذوقين والنقاد، في المعارض المحلية والدولية، لا يكتفون بما يرونه بصريًا، بل يسعون إلى ما وراء المشهد، إلى فهم ما الذي دفع الفنان لإنجاز وتقديم هذا العمل، وما السياق الذي خرج منه، وما الفكرة التي تشكّلت قبل أن تتحول إلى أثر مرئي.
ماذا يريد أن يقول الفنان من عمله المقدَّم؟
فالفن، في أحد وجوهه العميقة، ليس عرضًا صامتًا، بل خطابًا غير مباشر، وحوارًا مفتوحًا بين المبدع والمتلقي.

   •    فهم موضوع اللوحة أو العمل الفني لا يُعد شرطًا (قسريًا) للتذوق، لكنه مفتاح معرفي وجمالي للدخول إلى العالم الداخلي للفنان.
وحين يُتجاوز هذا المفتاح عمدًا، بحجة أن «العمل يجب أن يُفهم بذاته»، تضيع حكاية كاملة، وقد يُختزل جهد سنوات طويلة في انطباع بصري عابر، يخلو من عمقه الإنساني والفكري.

عتبة أولى:

   •    الفنان لا يعمل في فراغ.
الفنان هو ابن بيئته، وذاكرته، وتجربته الإنسانية، وأسئلته المؤجَّلة.
والعمل الفني، مهما بدا تجريديًا أو متحررًا من المرجع، يظل مشدودًا إلى سياق ثقافي واجتماعي ونفسي.
وحين نقرأ العمل دون معرفة هذه الخلفية، نراه قراءة جزئية، ونفقد كثيرًا من طبقاته الدلالية والوجدانية.

ومن منظور نقدي وجمالي، فإن المعنى لا يتشكّل لحظة المشاهدة فقط، بل يتكوّن عند التقاء ثلاثة عناصر:
العمل ذاته، وخلفية الفنان، وأفق المتلقي.
وهذا ما يجعل فعل التلقي فعلًا معرفيًا، لا مجرد استجابة حسّية.

فالتذوق العميق لا يُلغي الإحساس، بل ينقله من مستوى الانفعال السريع إلى مستوى الفهم المتأمّل.
ولا يقف هذا المفهوم عند حدود اللوحة أو الصورة وحدها، بل ينسحب على جميع الفنون دون استثناء؛ كالمسرح، والعمارة، والقصة، والنحت، وغيرها من أشكال التعبير الإنساني.
ففي كل فن حكاية كامنة، وسياق خفي، وتجربة إنسانية لا تظهر كاملة من النظرة الأولى.

   •    في المسرح، قد نفهم المشهد، لكننا لا نلامس عمقه ما لم نعرف فكر النص، وظرف كتابته، ورؤية المخرج، وعلاقته بالواقع الذي أُنتج فيه.

   •    وفي العمارة، قد نُعجب بالشكل، لكننا نفقد روح المكان إن تجاهلنا تاريخه، وبيئته، وثقافته، وحاجة الإنسان التي صُمّم من أجلها، لتتحول المباني إلى كتل جميلة، لكنها صامتة المعنى.

   •    أما القصة والنحت، فبدورهما يحملان ذاكرة الفكرة، وصدق اللحظة، وأثر الإنسان الذي أوجدهما، حيث لا تنفصل المادة عن المعنى، ولا الشكل عن الدافع.

عتبة تأمّل

القول بأن المتلقي غير معني بمعرفة قصة العمل قد يبدو دفاعًا عن حرية التذوق، لكنه في العمق يحرم المتلقي من تجربة أوسع، ومن فهم أعمق، ومن حوار حقيقي مع العمل وصاحبه.
فالفن ليس مواجهة صامتة بين عين وشكل، بل علاقة معرفية وجدانية، يتقاطع فيها الإدراك الحسي مع الفهم الثقافي والوعي بالسياق.

ومعرفة الحكاية لا تُغلق باب التأويل، بل تفتحه على اتساعه؛ فهي لا تفرض قراءة واحدة، ولا تصادر المعنى، بل تمنح العمل طبقات إضافية، وتُضيء مساحات كانت معتمة، وتُثري تجربة التلقي دون أن تُفسد دهشة الاكتشاف.
حين نفهم حكاية الفنان، لا نفقد دهشة الفن، بل نضاعفها، وحين نغفل القصة، قد نرى العمل، لكننا لا نراه كاملًا.

عتبة الطريق

   •    فالفن، مهما اختلفت وسائطه، ليس ما نراه فقط، بل ما نعرفه، وما نشعر به، وما نلتقطه بين السطور.

Uploaded Image


error: المحتوي محمي