ارتبط عشق الخبازة عند المرحوم: السيد علوي الدرويش"أبو سيد مهدي" منذو صغره، حيث كان يعمل في مخبز وسط مدينة راس تنورة يملكه المرحوم الحاج الوجيه: "محمد تقي آل سيف"، وتطور ذلك العشق بعد أن ترك السيد علوي العمل في ذلك المخبز، واستقل بتأسيس أول فرن يملكه في بلدته جزيرة تاروت.
يعتبر "السيد علوي" من الأوائل في منطقة القطيف الذين أنشأوا فرناً عصرياً حديثاً، بخلاف المخابز الشعبية التقليديه "الخباز العربي" في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث كان فرن علوي للخبز وأنواع الكيك في جزيرة تاروت مكوّناً رئيساً في حياة الناس اليومية، بل كان في نظرهم رمزاً للجودة والرائحة الزكية ولِّذة الطعم، نظراً للمكونات الطبيعية غير المصنعة في تلك الفترة الزمنية، مقارنة بالتراجع الكبير في رائحة ولذة ما تنتجه معظم مخابز الأفران الأتوماتيكية اليوم.
تمحورت لدى السيد فكرة إنشاء مخبز عصري في جزيرة تاروت لتكون امتدادًا للخبرة التي استلهمها في مخبز الوجيه الحاج: "محمد تقي آل سيف"، وكان أول مقر لمخبزه بالقرب من منزل المرحوم علي فتيل المجاور لبيت المرحوم عبد الحسين الزاير أبو الدكتور أحمد رحمهم الله، واستقطب المرحوم "السيد علوي"شباب البلد ليديروا هذا المخبز الكبير بعد أن أخضعهم لدورات تدريبيه مكثفة على كيفية تدوير الآلات، وطريقة العجن والخبز بمهنية احترافية عاليه.
من الشباب الذين عملوا معه في تلك الحقبة الزمنية والذين لا زلت أتذكرهم: المرحوم الحاج عباس تركي، والمرحوم الحاج أبو ياسر حبيل، والمرحوم الحاج معتوق المسباح، والحاج عبد علي آل سيف "ابو محسن"، والحاج حسن الماء "أبو علي"، والحاج عباس أمين "أبو فاضل"، والمرحوم الحاج علي المقبقب، والحاج عبد الرسول المحيشي، والحاج منصور سليس، وفي العطلة الصيفية كان يعمل في المخبز مجموعة من طلاب المدارس منهم: الحاج عبد الله المعلم و أخيه المرحوم سلمان، والمرحوم الحاج سعيد خاتم.
في الماضي كانت الطبيعة خلابة والبيئة نقية خالية من الأوبئة والجراثيم، وعندما تجوب حياً قديما في جزيرة تاروت ومررت بالسوق الرئيسية فيها، وشميت رائحة خبز زكية تنبعثُ إليك في المكان، فالمرجحُ بقوة هو أنك على مقربة من "فرن علوي" التقليدي، حيث تتواصلُ حرفة وطرق تحضير الخبز وفق الطرق التقليدية القديمة، وما زالت أجيال الستينات وما بعدها حتى بداية الثمانينات، تحتفظ في ذاكرتها بذلك الماضي الذي عاشته في أيام الطفولة والشباب.
كانت عملية تحضير الخبز تتم وفق الطرق التقليدية القديمة، بدءًا من استلام تحوير العجين على ألواح خشبية، ووضعها داخل صواني مخصصة لإدخالها داخل الفرن بمحاذاة من ألسنة اللهب، وصولاً إلى إخراجها بعد نضجها محمصة تعلوها الحُمرة مع رائحتها الزكية المنتشرة في المكان، وذلك نظراً للاختلاف الكبير في مكونات الطحين وهو المادة الأساسية للخبز بين الحقبتين الزمنيتين معلنة جاهزية الخبز لتسليمه للناس الذين ينتظرونه أمام باب المخبز.
في مخبز "علوي" كان يستخدم ورق الحاسب الآلي الذي يحصل عليه من عمال شركة أرامكو لوضع خبز الفرن الساخن فيها بدلاً من استخدام اكياس البلاستيك، وأما باقي المخبوزات فتوضع في الأكياس البلاستيكيه ما عدا الكيك، وكان بجانب المخبز مطعم المرحوم: علي بن منصور عبدالغني ابو كريم، وهو من الأوائل الذين أدخلوا جهاز التلفاز في مقاهيهم، وحين نمر من هناك في طريقنا للفرن نقف هنيهة لمشاهدة التلفاز لكن الأخوان كريم وسعيد أبناء عبدالغني يأتيان ويسألان: هل طلبتم بيبسي أو كوكا كولا؟ فنرد عليهم بالنفي فيقولان لنا إذاً انصرفوا من هنا.
بعد فتره من الزمن نقل المرحوم علوي فرنه إلى المحل الذي أصبح لاحقاً مطعم الدعبل صاحب "الكبسة السحرية" وبقي فيه فترة من الزمن، ثم انتقل إلى أحد المحلات الجديده في نخل البستان بالقرب من مغسلة الشعب الذي كان يعمل فيها المرحوم الحاج عبدالله مقرن "أبو علي"، ومكانه تحديداً هو المبنى الموجود فيه "مجوهرات ملاك" حالياً، وبعد فترة زمنية بدأت الأيدي المحلية العاملة في الفرن تتقلص بسبب التحاق الكثير منها بالشركات الوطنية والأجنبية.
بعد خروج الأيدي الوطنية من "فرن علوي" بدأ يتراجع في الجودة والإنتاج شيئاً فشيئاً، إلى أن اضطر أن يستقدم عمالة أجنبية تحديداً باكستانيه لتدير شأنه، وبقي الفرن يعمل فترة ليست بالقصيره، ولكن بعد رحيل علوي إلى رحمة ربه وظهور المخابز المنافسه له في المنطقة، إنتهى الفرن وانتهت مسيرته التي استمرت أكثر من ثلاثين سنه على أقل تقدير.
ختاماً: في هذه الحياة كل شيء يتغير ويذهب الأصدقاء، الأحباب، الأماكن، لكن الشيء الوحيد الذي يبقى هو الذكريات، حيث يلاحقنا الحنين إلى الماضي وذكرياته القديمة التي ذهبت ولن تعود، وتبقى ذكراها نحمل عبقها في قلوبنا أينما رحلنا.



