17 , مارس 2026

القطيف اليوم

على البحر.. بلبلة وقفل ويدة باب راحوا ضحية سالفة ما نفهمها

أحد القراء تواصل معي، وقال باختصار، ليش ما تكتب عن اللي يصير في المرافق الصحية العامة على الواجهة البحرية، وبصراحة، توقفت لحظة، وقلت في نفسي، معقول لسه، كنت أعتقد أن السوالف دي انتهت، وأن الأشكال دي اختفت، وأننا تجاوزنا مرحلة اقتلاع الحنفيات وتكسير الأبواب، وصرنا في زمن الوعي، لكن يبدو أن بعض الذكريات تحب ترجع، وبعض التصرفات عندها اشتراك دائم.

في الواجهة البحرية، حيث البحر جميل، والنسيم عليل، والمكان مهيأ للعائلة والمشاة والرياضة والتصوير، قررت البلدية مشكورة أن تقول للمواطن والزائر، تفضل، هذه مرافق صحية نظيفة، مجانية، محترمة، مصانة، ومجهزة لك، لكن يبدو أن بعض الزوار فهموا الرسالة بشكل مختلف تمامًا، وقالوا في أنفسهم، جميل، خلونا نختبر قوة التحمل.

خلونا نبدأ من المشهد الأول، تخيّل شخصًا يدخل المرافق الصحية، يتلفت يمين ويسار، يهز رأسه بإعجاب، ويقول، ما شاء الله، نظافة، ترتيب، أبواب، حنفيات، كل شيء تمام، وبعد دقائق يخرج المشهد عن النص، وتكتشف أن هذا الشخص ما دخل ليستفيد من المرفق أصلًا، دخل ليترك بصمته التخريبية ويغادر.

حنفية (بلبلة) اقتلعت، باب مكسور وكأنه شارك في مصارعة حرة، يدة باب مخلوعة بنية الانتقام، ولوح معدني مطروح أرضًا كأنه ضحية خلاف عائلي، وهنا يجي السؤال الكبير اللي يحتاج لجنة تفكير عليا، ليش، هل البلبلة شتمتك، هل الباب استفزك، هل القفل تطاول على كرامتك.

المضحك المبكي أن البعض لا يكتفي باستخدام المرفق، لا، لازم يترك أثرًا يليق بذكراه، كأنه يقول، مر من هنا فلان، وترك بصمته الحضارية، وبين قوسين صغيرين، كنت أظن أن هذا النوع من السلوكيات انقرض، مثل أجهزة البيجر، أو أشرطة الأتاري، أو كلمة اتصل على البيت، لكن واضح أن بعض التصرفات ترفض تمشي مع الزمن، وتصر تعيش معانا رغم كل شيء.

بعضهم يدخل المرافق الصحية وكأنه داخل غرفة غضب، اضرب، اكسر، اقتلع، يفرغ شحنة اليوم كلها، ثم يطلع وهو مرتاح نفسيًا، تارك خلفه فاتورة صيانة، وتأفف عامل نظافة، وحرج مستخدم بريء جاء بعده.

والأجمل أن نفس الشخص اللي يكسر، إذا تعطلت المرافق الصحية بعد أسبوع، أول من يكتب، وين البلدية، ليش ما فيه صيانة، ليش المكان مهمل، يا سلام، اللي كسر يسأل عن الصيانة.

خلونا نكون واضحين وبأسلوب بسيط، المرافق الصحية العامة مو ملك خاص، مو بيت مهجور، مو ساحة تجارب هندسية، ولا اختبار عضلات، هي خدمة لك، لي، للطفل، لكبير السن، للمريض، للزائر، للرياضي، وللعائلة اللي طلعت تتنفس شوي.

والدولة ما قصرت، تصميم، إنشاء، صيانة، نظافة، عمال، مواد، ميزانيات، ثم يأتي شخص واحد، في خمس دقائق، ويقرر أنه يخربها، لأن عنده فائض طاقة، أو نقص وعي، أو رغبة غريبة في تخليد اسمه في سجل التخريب.

والمشكلة مو في التخريب فقط، المشكلة في العقلية اللي تقول، مو شغلي، مو بيتي، خليه يندمر، مع أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، هو بيتك، هو مكانك، هو واجهتك، وهو انعكاس لك شئنا أم أبينا.

تنويه قبل ما يطلع واحد يقول مو الكل، صحيح مو الكل، وفي ناس محترمة، تستخدم المكان وتتركه أنظف مما وجدته، لكن كلامنا موجه تحديدًا للي يدخل المرافق الصحية وكأنه داخل معركة شخصية مع السيراميك.

وفي الختام، خلونا نقولها بدون لف ودوران، التخريب مو شقاوة، مو رجولة، مو خفة دم، ولا حركات شباب، هو سلوك مؤسف يدفع ثمنه غيرك، ويشوه صورتك، ويحرمك من خدمة أنت أول المحتاجين لها.

ونكتب هذا الكلام لا لأننا نحب التذمر، ولا لأن قارئًا اشتكى فقط، بل لإيصال الرسالة أسرع بشكل أسرع من اللوحات التحذيرية، ولأن المرافق الصحية العامة مو اختبار أعصاب، ولا ساحة انتقام، ولا دفتر توقيع، هي ببساطة مكان تنهي فيه زيارتك وتطلع بسلام، بدون ما تترك أثر يليق بذكرك.


error: المحتوي محمي