حسين أحمد بزبوز

يقولون أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة ... وهذا اختصارٌ جميل ... من شأنه دفع وتفعيل وتنشيط بناء تلك المشاريع الكبيرة التي تنهض بالإنسان والإنسانية ... فلا مجال هنا لليأس ولا للاستسلام ولا لأي شيءٍ من ذلك الإحباط الذي يدفع للاندحار أو الانتحار ... فكل شيءٍ يبدأ هنا صغيراً مع الاستمرار ومواصلة الدرب والمداومة عليه فسيصبح كبيراً بإذن الله يوماً ما ... وهذا هو حال وواقع كثيرٍ من الأشياء من حولنا في هذه الحياة.

لذا فالحكمة تقول هنا أن علينا دائماً أن نبادر بالخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح ... ثم نستمر ... فقليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع ... والخير كل الخير في المشاريع الدائمة المستمرة ... لا الوقتية اللحظية التي لا تستمر مع امتداد حاجاتنا الإنسانية.

وأنا بهذه المقدمة البسيطة السابقة ... المختزنة في عقول الكثيرين منا ... أردت أن أقفز - في هذه المقالة - بنقاش موضوع الجريمة في القطيف الحبيبة ... والتي يؤرق همها اليوم بالتأكيد الكثيرين من أبناء هذا المجتمع الطيب الذين يدركون بلا شك ولو بشكل جزئي معاني أن تسود وأن تتفشى في مجتمعهم الجريمة ... والعنف والفساد ... نحو الخطوة الأولى الفاعلة التي يمكن أن يحققها أبناء هذا المجتمع الطيبين في الاتجاه الصحيح للوقوف في وجه هذا الطوفان المخيف ... القادم بعنف ورعب وقوة ... نحو المجتمع ... ليدمر أو يهدد مختلف أحلام وآمال الناس الباقية فيه.

فإننا هنا بالتأكيد بحاجة ماسة وكبيرة لـ (مبادرة) من نوع خاص، تكون هي النواة أو الخطوة الأولى الجيدة نحو العلاج ... أو الخطوة الأولى الصحيحة في اتجاه إفشال الجريمة أو الحد منها، وقد انطلقت فوق أرض الواقع فعلاً مبادرات جيدة من هذا النوع للخيرين من أبناء هذه الأرض الطيبة وهذا المجتمع الخير، بحيث يمكن تطويرها والرقي بها للمستوى المطلوب فيما بعد ...، يعتورها - من وجهة نظري - بلا شك رغم كل شيءٍ تساؤلٌ هام، يجب الاعتراف به والإجابة عنه ...، وهو: ماذا يمكن أن يفعل حضور ذلك النشاط الناعم الممكن لكامل تلك القلوب الملائكية الطيبة الطاهرة في هذا المجتمع في تلك المبادرات والخطوات غير المكتملة وغير المدروسة جيداً ... في وجه كل ذلك الطوفان الكبير والمخيف من العنف ... وكامل الوحشية والإدمان، وعنفوان الرغبة الجامحة نحو الفساد والإفساد، والغضب المنفلت من أسر الاعتدال، والأمراض النفسية الحادة والخطيرة، والسلاح الفتاك وغير المرخص ... وفي أيدي من لا يستحقه ومن لا يحسن ضبطه من الغوغاء من الناس؟؟؟!!!.

مع ذلك، فهذا التساؤل الهام، رغم حيويته ووجاهته التي تخوله أن يبقى مما لا يمكن تجاوزه بأي حالٍ، لا يمكنه فعلاً رغم كل شيءٍ التقليل من أهمية تلك المبادرات الطيبة الخيرة وذلك النشاط الجاد ... والمبادرات الإيجابية ... فهذه المبادرات ليست سوى الخطوات الأولى الجيدة في الطريق الصحيح ... والتطورات اللاحقة، هي: من سيحدد ويقرر ويقدر ويكشف ويكتشف قيمة هذه المبادرات وتلك الخطوات ... الحسنة والجيدة والإيجابية إنشاء الله.

وأنا أقول هنا ... أيها الإخوة ... أيها الأحبة ... لقد ولدت الجريمة فوق أرض قطيفنا الحبيبة ... بخلاف ما كنا نتمنى ... وبخلاف ما كان يتوقعه البعض منا ... بل الكثير من أبناء هذا المجتمع ... و(انتهى الأمر) ... ودخلنا في مرحلة جديدة ... أو بتعبيرٍ آخر في لب المصيبة ولب الصراع ... وكل خطوة إستباقية للحد من الجريمة كان يمكن القيام بها فيما مضى من الزمان عبر (التخطيط المسبق) ... ربما يمكن القول حالياً بشكل نهائي أنه قد فات أو تأخر عليها الأوان كثيراً ...، لذا فهنا يجب أن نلتفت جيداً أننا عندما نفشل في الماضي في (الحد من انتشار المخدرات والمسكرات) كما حصل معنا بالفعل في هذا المجتمع ... فإنه من الطبيعي أن تظهر الجريمة وأن ينتشر الفساد في هذا العصر ... أو فيما بعده ... وعندما نفشل في (الحد من البطالة والفقر) في ذلك العصر ... فستظهر الجريمة وينتشر الفساد بلا شك في هذا العصر ... وعندما نفشل في (الحد من مشاكل الطلاق والخلافات الأسرية السوداء) في ذلك الزمن السابق ... فستولد الجريمة وينتشر الفساد في هذا الزمان ... وعندما نفشل في (احتواء) الأطفال والناشئة والشباب و(توجيههم) عندما يمكن ذلك الاحتواء وذلك التوجيه ... من خلال نشاطات وبرامج وهوايات إيجابية معقولة أو معتدلة ومحتملة ... تلمس وتلامس (رغبات الشباب والناشئة) وحاجاتهم وميولهم الخاصة بهم هم ... لا رغباتنا وحاجاتنا وتوجهاتنا وهواياتنا الخاصة بنا نحن ... وبذواتنا وما تطمح إليه ... وما نريد أن نفرضه عليهم نحن ... فستنتشر الجريمة، ويضيع الشباب، وتستهلكهم مختلف أنواع السلوكيات السيئة، والممارسات الخاطئة، والمخدرات، والفساد ... الخ.

وتلك (عوامل كثيرة عديدة) تؤدي إلى هلاكٍ (واحدٍ)، بتنا نعرفه جيداً اليوم ... وهو (هلاك ... عالم الجريمة والفساد) ... الذي نشهد بعض آثاره في هذه الأيام، أضف إلى ذلك ...عوامل أخرى كثيرة عديدة تسهم في زيادة أعداد أو مرات أو نسب حدوث الجريمة ... كالزيادة في عدد السكان في المنطقة ... وتغير نمط الحياة المعيشية بشكلٍ عام لنمط حياة جديد مختلف تماماً ... تتفكك فيه تلك الروابط الإنسانية الإيجابية الحميمة التي كنا نعيشها ونعرفها ونعهدها من قبل ... وتضيع وتتضعضع فيه العلاقات الاجتماعية والأسرية المعهودة ... وتكثر وتسود فيه القطيعة ... ويعزز فيه الانزواء ... بحيث يبيت كل إنسان في هذا العصر ويصبح ... وهو يغني على ليلاه ... ولا يسأل فيه خليلٌ عن خليله ... ولا يسأل فيه كل امريءٍ إلا عن نفسه وعن ذاته المتضخمة ومصالحه الخاصة - إلا من رحم الله ... طبعاً - ... وذلك التغير قد غزا واقعنا بالفعل لأن الحاجة للتجمع (في الأطر غير الرسمية الضيقة المبنية على التكافل والتكامل الاختياري القديم) في هذا الزمن قد باتت أقل بسبب نمط الحياة الجديدة ... وتطور المجتمعات الإنسانية وبناها المؤسساتية، وبالإضافة لتلك الأسباب أضف وفرة وقوة وغزارة وحضور وتأثير وسائل الإعلام المضللة المختلفة والمخالفة ... ومختلف أدوات الغزو الفكري الموجهة للهدم والإفساد وتغيير الذوات الحاضرة الخيرة ... لذوات شريرة شهوانية وحشية قبيحة ... بحيث يصبح اضطراراً لا اختياراً أن ندخل قسراً في فترة تحولات ... فكرية وعقدية وأخلاقية وسلوكية ... خاصة وصعبة ... غريبة على من لم يألفها ومن لم يتوقعها ... لم نكن نعرفها من قبل.

كل تلك العوامل ... التي تتضمن التأخر في الاستباق ... أسهمت في رفع معدلات الجريمة ... خصوصاً مع انتشار السلاح، وتطور أجهزة الاتصالات والمواصلات وما توفره وتتيحه من إمكانات، وركاكة وعجز وتقادم وتخلف وترهل وتهالك وضعف البنى المؤسسية القديمة المخصصة لمكافحة الجريمة والفساد ... وبتأثيرٍ أيضاً كذلك من وسائل الإعلام المعاصرة وشبكات الإنترنت الحديثة ... التي أصبحنا بفضلها أو بفعلها ... نشاهد تلك الزيادات ... (واضحة بل مكبرة ومضخمة ومضاعفة العديد من المرات) ... لتبدو أكبر مما هي عليه في الواقع المعاش ... ليزيد بذلك الهم والنكد علينا ... أضعافاً مضاعفة.

ومهما يكن النقاش ... وأياً تكن اتجاهات ذلك الجدل المعتمل حالياً حول الجريمة ... فتلك الجرائم الحاضرة اليوم هي واقعٌ معاش لا يمكن إنكاره بأي حالٍ من الأحوال أو الفرار منه ... وهي خطوات شريرة بالطبع يخطوها البعض ... يمكن مع استمرارها أن تقود لدمارٍ شامل لكامل المجتمع ... لأن المجتمعات الإنسانية في الأساس كما هو معروف تبنى على التعاون والتحاب والتكافل والتناصر والتكاتف والاحترام المتبادل وعلى سيادة النظام والقانون ... ليجني الجميع من بركات تجمعهم الخيرات ولينتفع ويستفيد من هذه التجمعات كامل أبناء المجتمع ... لا فئات محدودة ... وعكس ذلك وخلافه ... هو (سيادة الجريمة) ... التي هي دمار مصالح وحقوق ومنافع بعض أو غالبية أبناء المجتمع ... وبهذا تكون الجريمة في الحقيقة هي كامل الدمار ... والنقض الحقيقي لما من أجله يتجمع البشر ... ولما يبنى من أجله كيان المجتمع في الأساس ... فما هو الحل هنا يا ترى ... في وجه كل هذا الطوفان؟؟؟!!!.

في الحقيقة ... إن الإغراق في الأمنيات والمبالغات والتيه في عوالم الأوهام والأحلام وإدعاء إمتلاك الحلول السحرية ... أو إرجاع المشاكل وبواعثها لأسباب هشة تافهة وهمية أو جانبية أو أسطورية ... لا يعدو أن يكون سذاجة أطفال ... أو مزاعم للمارقين من عوالم الواعين والكبار ... وتكفي هنا التلميحات والإشارات ... عن التسمية بصريح الأسماء ... وعن التفصيل بكامل البيان ... وعن التنويه الصريح لبعض تلك السذاجات والمغالطات ... التي ترد على ألسنة البعض أو تذكر في بعض التعليقات أو التعقيبات أو المناسبات.

أما إذا تجاوزنا ذلك، فإن الحقيقة الصلبة التي يجب معرفتها والاعتراف بها هنا ... فهي أن مشاكلنا أو مشكلتنا مع الجرائم المكثفة والمتكررة في هذه الأيام ... إنما هي مشكلة أو مشاكل ... عميقة وجذرية وحقيقية وصلبة ... فنحن اليوم في الحقيقة - كما أزعم - في مرحلة إعادة صياغة ... وبداية أو نهاية مراحل تشكل هذا المجتمع أو هذه العوالم من حولنا من جديد ... لتخرج المجتمعات القديمة ... بثوبٍ آخر جديد وقوانين أخرى جديدة تحفظ جميع التوازنات المعلنة والمعروفة - المطلوبة - وجميع التوازنات غير المعلنة وغير المعروفة - المطلوبة - ... ولتندثر أو تتحور جميع أو غالبية التوازنات والقوانين القديمة - المهترئة أو غير المطلوبة - ... بعد فترة من المعاناة والصراعات المرة ... التي قد تحدث في المجتمع ... وفوق أرض وواقع هذه الحياة - وفق شروط الضرورات -.

ومن باب الواقعية أيضاً، فالجريمة من جهة أخرى ... أيها الأحبة ... شئنا أم أبينا ... إنما هي قدرٌ من أقدار البشرية ... وقدرٌ من أقدار هذه الحياة الحتمية ... لا من أقدار زماننا النحس هذا فحسب ... ورغم أنه يمكننا أن نحد منها وأن نهمشها فعلاً ... لكن لا يمكننا أبداً رغم كل شيءٍ - على الأقل بحسب المعادلات السائدة والمعروفة حتى اليوم - ... أن ننهيها وأن نفنيها ... لأنها ستبقى مهما فعلنا ومهما حاولنا ... لتجري ولتستمر ... مع واقع صراعات الناس وتناقضاتهم ... ومع واقع هذه الحياة وصراعاتها وتناقضاتها ... بطريقة ما.

وهنا ... بعد الاعتراف بذلك ... يجب أن نعرف أيضاً ... أن الحل هو في فعل وتفعيل (الخطوة أو الخطوات الأولى في الاتجاه الصحيح) ...، وتلك الخطوة الأولى الصحيحة أو الخطوات الأولى الصحيحة ... ليست سوى المبادرة أو المبادرات الجادة والفعلية ... نحو (إيجاد لجان متعددة في المناطق المختلفة) ... (تهتم بشؤون الجريمة بشكلٍ عام) ... وتقوم (بجمع المعلومات وتأسيس قواعد بيانات) ... (وتعمل دراسات جادة لحيثيات مختلف الجرائم التي تقع في المجتمع) ... (وتعمل على تجميع خبرات مختلف الشعوب حول المعمورة) ... (وتترجم تلك الخبرات للغتنا الأم، وتعمل على إيصالها للجمهور) ... (تتواصل مع الناس) ... (وتقوم بتثقيف الناس) ... (وتعمل على نشر تحذيرات وإيجاد طرق وإبداع أفكار ونشر ممارسات صحيحة تعمل على الحد من الجريمة وخفض مستوياتها) ... كما أنها ستحتاج من أجل نجاح ذلك أن تكون لها (مواقعها الإلكترونية التثقيفية) التي يسهل من خلالها أو عبرها التواصل مع الجمهور العريض ... بهدف تثقيفه وتحذيره وتطويره والاستفادة منه ... وفي النهاية سيتحتم على تلك اللجان أيضاً أن تبحث لنفسها دائماً عن (مسارات متجددة) للرقي والتطوير ولمجاراة التغيرات والتحولات والمستجدات.

فهكذا أحسب أنه يمكننا أن نتعامل كجمهور مع واقع الجريمة في المجتمع، في نفس الوقت الذي سنبقى فيه نتمنى ونترقب أن تتسارع الجهود الرسمية في هذه الميادين ... لتقوم الجهات المسؤولة بتطوير مختلف الأجهزة الخاصة بذلك وتعديل أوضاعها وتحسين أدائها وترقيتها لما فيه خير المجتمع والجميع ... الوطن والمواطنين ... فهي (أي الأجهزة الرسمية) خير من يستطيع وضع حد معقول لهكذا بلاء.

وهنا لا أشك أن هناك على الصعيد الجماهيري، من أبناء هذا المجتمع الخير، من يمتلك الوقت والرغبة والقدرة الكافية على التفرغ لهكذا دور اجتماعي تطوعي خطير وهام ... كما هو واضحٌ من خلال التجارب السابقة في المجتمع ومن خلال بعض المعطيات والممارسات التطوعية الخيرية السابقة ... فكما تفرغ آخرون لغير هذا من الأدوار الهامشية ... فسيكون لهذا الدور الهام والإيجابي ... رجاله الفاعلون أيضاً ... إن شاء الله ... والله سبحانه وتعالى وحده هو من سيكون في الأول والأخير بلا شك مع عبده وفي عونه ... ما دام العبد مع الله وفي عون أخيه ... ونسأل الله في الأول والأخير لنا وللجميع ... الأمن والسلامة والسلام والخير ... ودمتم بألف خير وهدى وسلام.

حسين أحمد بزبوز

حسين أحمد بزبوز | 03-13-1431 04:00 PM


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.