المستهلك ولغة الحليب - الخط الالكترونية

الثلاثاء 12 رجب 1440 / 19 مارس 2019



*المواطن بتفكيره البسيط الخالي من أي أدوات تحليل اقتصادية لا تهمه المسميات كثيراً، لا فرق لديه بين خسارته من تاجر الألبان أو أي تاجر آخر

ألزم وزير التجارة معالي الدكتور توفيق الربيعة في نوفمبر 2012 شركة المراعي بأسعارها للحليب وأحجام العبوات ذاتها بعدما اعتزمت رفعها، هذه البادرة كانت بلا شك مهمة، فالمواد الاستهلاكية الأساسية للناس ينبغي أن تكون بعيدة عن جميع العناوين المبررة للتلاعب بسعرها أو المضاربة فيها، بطبيعة الحال يعلل التاجر عادة بادرة كهذه بأسباب يُدركها ويتوقعها الجميع وهي ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، وبعيداً عن مناقشة منطقية المبرر شكَّلَ هذا القرار ارتياحاً كبيراً للمستهلكين على الرغم من أن رفع السعر المقرر -لو حدث- لن يكون بالغ المضرة بناءً على ما نُقل حينها من زيادة، غير أن كبح جماح التجار بحد ذاته إنجاز طالما كان مطلباً يتفق على ضرورته الجميع لا سيما في ظل الحرية التي يتحرك بها هؤلاء والاستنزاف الذي يمارسه بعضهم لأموال المواطنين.

المواطن بتفكيره البسيط الخالي من أي أدوات تحليل اقتصادية لا تهمه المسميات كثيراً، لا فرق لديه بين خسارته من تاجر الألبان أو أي تاجر آخر، لذا فخطوة من هذا القبيل لن تكون ذا مردود واضح على المستهلك ما دام هناك من التجار من يتلاعب بأسعار سلع أخرى ويعيش الحرية المطلقة ويتصرف مع أقرانه بطريقة ربما يصح تسميتها بالمحاصصة أو تبادل الأدوار في استنزاف دخل المستهلكين.

حينما نتحدث عن عبوة حليب واحدة فإننا في الواقع نتحدث عما قيمته ريـال سعودي من دخل المواطن، خسارة المواطن جراء أي زيادة يقوم بها التجار هي في حقيقتها الرياضية ذات الأمر تماماً، إذا كان لتاجر الحليب أن يستنزف من دخلي سنويا 500 ريـال وتم إيقافه في حين لم يتم إيقاف تاجر الرز على سبيل المثال في استنزافه بذات القيمة، هذا يعني أن المحصلة الرياضية واحدة، وهي أنني تضررت بمقدار 500 ريـال، فقط الفرق أن الذي أخذها مني هو تاجر الرز وليس الحليب.
في سياق مبررات ارتفاع الأسعار هناك لفظ متكرر يُبرر من خلاله كثير من الباعة رفعوا أسعارهم وهو: «الإيجار غالي»، بنظرة متأملة في هذه الكلمة يمكن لأي شخص بالفعل أن يكون مقتنعاً بصحتها وبكونها مبرراً منطقياً لرفع الأسعار، غير أن الإشكال أحيانا يقع في درجة تلك الزيادة التي تختلف من تاجر لآخر، «الإيجار غالي» لفظ يعبر في حقيقته عن تغلغل تجار العقار تحديداً في كل مفاصل حياة الناس، الذي يجري أن العقاري وإخوانه ممن ضاعفوا الأسعار أسهموا بشكل واضح في زيادة تكاليف التشغيل لكل عمل تجاري، الأمر الذي جعل الباعة الصغار بين خيارين كلاهما سلبي على المجتمع، الأول أن يرفعوا الأسعار فيتضرر الناس والثاني الالتزام بذات الأسعار فيلحق الضرر بهم، في كلا الحالتين يتأمل العقاري المشهد وهو في مأمن من كل مساءلة.

في الزيادات التي تقررت قبل سنوات لموظفي القطاع الحكومي، توقع كثيرون على إثرها أن يبادر تجار العقار لرفع الأسعار أو وضع أسعار مرتفعة لعقاراتهم طور الإنشاء، وبالفعل حدث ذلك، إن حساسية هؤلاء لأي تحسن في أجور الناس تكاد تكون مفرطة بحيث لا يستطيع أحدهم إلا أن يبادر برفع أسعاره مستغلاً عدم وجود المانع القانوني من ذلك، هذا الرفع المستمر وغير المتوقف هو الذي كان وما زال يستنزف دخل جميع المواطنين بما يفوق آلاف عبوات الحليب التي تم إيقاف رفع أسعارها، إذا كانت زيادة الإيجار على سبيل المثال 2000 ريـال فهذا يعني بلغة الحليب أن دخل هذا المواطن استنزف بمقدار 2000 عبوة حليب، هذا السيناريو بذاته هو الذي يتكرر في كل شيء، العقاري يرفع السعر فيقوم السباك برفع سعره كي يعيش بنفس الدخل، النجار والبقال والحلاق وكل صاحب متجر، كل ذلك يعني بلغة الحليب أن العقاري استنزف أو أسهم في استنزاف قيمة آلاف العبوات من دخل جميع المواطنين دون فرق بين أحد، والحال ينجر بالتأكيد على أسعار الأراضي، فحينما يأتي العقاري ويضاعف وإخوانه التجار أسعار الأراضي من 50 ألفا إلى مليون ريـال خلال 15 سنة فهذا يعني أن العقاري يستنزف من دخل المواطن بلغة الحليب قيمة 950 ألف عبوة، من كل ذلك يبدو أثر إلزام شركة ألبان بعدم رفع قيمة الحليب كإيقاف نزف جسم من وخزة إبرة بسيطة وهو يعاني في مواضع أخرى من كثير من الطعن البليغ والجراح النازفة.

العقاريون في حقيقتهم مستثمرون يبحثون عن الربح مثلما يبحث تاجر الحليب أو أي تاجر آخر عنه، حينما يجد هذا التاجر الأبواب مشرعة لتحقيق مزيد من المكاسب ومضاعفة الأسعار دون مخالفة للقانون فإنه بلا شك سيتوجه إليها، وأن نلوم العقاريين لأنهم يضاربون لا أظنه أمراً منطقياً، المشكلة كما أعتقد هي في عدم وجود السبل التي تقف في وجه هؤلاء!!، عدم وجود تشريعات تحفظ حقوق المستهلك!!، عدم وجود ضرائب على الأراضي البيضاء، لذا فالأجدى أن تكون هناك حزمة من القوانين القادرة على حماية العقاري والمستهلك في آن واحد، ترك الأمر على مصراعيه هو كما أظن السبب الذي يجعل سعر 2500 ريـال لمتر من أراضي مدننا أغلى من سعر المتر للكثير من أفخر أنواع السجاد في العالم في بلاد النسبة الساحقة لأراضيها غير مأهولة بالسكان.
تعليقات : 0 | إهداء : 0 | زيارات : 963 | أضيف في : 07-24-1435 10:26 AM | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF



سراج أبو السعود
سراج أبو السعود

مواقع النشر
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook

الحجم

تقييم
1.00/10 (38 صوت)

مشاركة