محمد الشافعي

تسهم المنتديات الثقافية في خلق الحراك الثقافي والإجتماعي في أوساطها من أجل إضافة نوعية لثقافة المجتمع وتحديث ممارساته. وهي تتكامل مع كافة مكونات النخب الثقافية للعب هذا الدور.. ومن أجل ذلك، تزخر هذه المنتديات بالعلماء، الأدباء، المثقفين الكلاسيكيين، الذين يعتلون منصة الحوار ليفيضوا على مستمعيهم جرعات في التنظير الثقافي والإجتماعي.. في قوالب كلاسيكية نسميها الندوات والمحاضرات..

تلك التنظيرات تخلق ذلك الحراك وتعززه ثم تخبو منتظرة حصادا لا يمكن توقيته بساعاتنا المعتادة، لا يمكن لحظيا قياس تداعياته، هو بحاجة إلى مثابرة، وصبر يطول حتى نرى نتائجه..

لكن عندما نكون مع موعد مع سيرة ورواية تخفي بين سطورها ما نحتاج إلى التنظير له في عشرات الندوات، فإن النتيجة تتمظهر في صورة ناجزة تختزل تلك التنظيرات بكل ما ترزح به من لغويات معقدة وافتراضات لا تخلو من الطوباوية المفرطة التي تتسبب في عسر هضمها ثقافيا

نعم تلك روايات النجاح والإنجاز دائما ما تختزل في فصولها دور أبطالها في التنمية، في النهضة الحديثة، في استغلال الكفاءات وتطويرها، في التكامل مع الآخر لتحقيق الهدف، في الإيمان بقيمة العلم كسبيل للنهضة..

وهذه العناوين كلها مشاريع ندوات كلاسيكية لموسم ثقافي كامل. هنا تكمن القيمة الثقافية في استضافة الرموز العلمية والكفاءات المهنية والإدارية التي تطل علينا كنماذج ناجزة لما يطمح له حراكنا الثقافي. إن تعزيز الحركة الثقافية لا يكتمل إلا باحتضان هذه النماذج، لتكون شاهدا على أن النظرية هي مشروع قابل للحياة متى ما توفرت العوامل اللازمة لإحيائها.

إن احتفاؤنا بهذه الذوات المبدعة ليس من باب ما جاء في الترف الإجتماعي، أو الضجيج العبثي، بل هو تقدير لحيثياتهم وإسهاماتهم وتأصيلا لما وراء تلك الإبداعات من قيم وأفكار ورؤى. وبالتالي فإننا، وجميع الفاعلين ثقافيا، مدعوون لأن نعزز من عملنا الثقافي بحضورهم الفاعل والمسهم في المشهد الثقافي بدلا من الإكتفاء بتكريمهم أو التغني الجامد المفرغ من المضمون بإسمائهم.

من هنا كانت إطلالة الأستاذ نظمي النصر في منتدى سيهات الثقافي، في الندوة التي تشرفت بإدارتها، إطلالة مميزة بضيفها الذي اعتاد الصمت، والبعد عن الأضواء منذ حصوله على درجة البكالوريوس في الهندسة الكيميائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عام 1978 حتى حصوله على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى عام 2009.

فهو \"جندي حقل شيبة المجهول\" كما وصفه الأستاذ الكبير محمد رضا نصر الله في مقال بصحيفة الرياض عام 1999 حين تحدث عن إدارته لفريق حقل شيبة، حيث يقول بأنه عمل \"بكثير من نكران الذات إلى درجة إننا لم نر له تصريحا أو صورة أو أي حضور إعلامي.. فهو الآخر كجيل الآباء والأجداد من عمال ومهندسي شركة أرامكو، عمل بصمت واخلاص نادرين، ولولا كثافة اللون الأسمر في وجهه وساعديه، لما عرفنا أنه ممن عمل وزملاؤه السعوديون، على انجاز هذا المشروع الضخم، بكل إبداع تقني ونجاح إداري، يستحقان الإعجاب والتقدير.. \"

وهو بحسب الدكتور علي بن سعد الموسى مواطن سعودي عربي، مهندس وقائد فريق العمل الذي جعل من حقل – الشيبة – النفطي في قلب الربع الخالي قصة وطنية، وذهب بعدها إلى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية حيث القصة بالدقيقة قبل أن تكون بالساعة. واليوم، ويأسف علي الموسى أن الملايين لم يسمعوا باسمه..

وعشية افتتاح جامعة الملك عبدالله، رصدت صحيفة عكاظ أنه ظل يعمل بصمت، ولم يعرف مراقبو الحلم منه غير صورة تناقلتها وكالات الأنباء. اليوم جامعة الملك عبد الله، وبالأمس حقل شيبه، ومستقبل الأيام يخبئ مفاجآت لعراب الفريق الميداني المحقق لحلم ملك المعرفة.
وأضافت عكاظ إلى أنه يرفض لغة الرجل الواحد، مفصلا نظرته: «نحن فريق عمل من أرامكو السعودية كلفنا بكل فخر بالعمل على تحقيق جزء من حلم الملك».

وكانت الإطلالة مميزة بجمهورها الذي اكتظت به أروقة المنتدى، جاءوا متعطشين للاستماع لصاحب تجربة واقعية، غير مكتفين بالنظريات التي تسرد كلاسيكيا دون اسقاط حقيقي على الأرض.

لكن الجندي المجهول، العامل بصمت، تنازل عن صمته في تلك الندوة، لكنه لم يتنازل عن تواضعه وبساطته. استوقفت كلماته جمهور لم يعرف منه إلا اسمه حين شدد على أنه \"سيهاتي أصلي\" وأضاف: \" ولدت في الديرة وترعرعت في الخصاب\". لهجته السيهاتية المميزة تشي دوما بانتمائه لهذه المدينة الوديعة، هو يفتخر بذلك ويشير بتجربته في العمل على مدى العشر سنوات الأولى من حياته المهنية في مختلف مناطق المملكة كتبوك والنفوذ وضبا وأبها وعسير والجوف وسكاكا وغيرها من مدن وقرى المملكة التي احتضنته وأعطته الشعور بالإنتماء إلى الوطن الكبير الذي يشاركه فيه خمس وعشرون مليونا من المواطنين.. شعور أعطاه الحافز للإخلاص في العمل وتحقيق الإنجاز لهذا الإطار الجامع الذي أحس به.

تنازل نظمي النصر عن صمته لكنه لم يتنازل عن نكران الذات والإصرار على الإنتماء للمجموع واعتبار الذات مجرد مكون من مكونات المجموع. فحين توالت عليه المداخلات التي تطالبه بنشر نجاحاته والإسهاب في الحديث عنها من باب توثيق المعرفة لنقلها للآخر، أكد أن نجاحاته كانت ضمن نجاح فريق حقل الشيبة وقد وثقت في كتاب قصة شيبة. كما كشف عن إنجاز كتاب آخر يحكي قصة نجاح إنشاء جامعة الملك عبدالله.

لم تخلو إطلالته عن مشاغبات بعض الحضور الذي يسكن بعضه هواجس مختلفة ومتعددة. ومارست حقي المشروع كمدير للحوار في ممارسة \"الخبث الإعلامي\" المشروع بتضييع تلك المداخلات تفاديا لحرف الحوار عن مساره. لكنه كان مصرا على تلقي تلك المداخلات \"الملغومة\" والإجابة عنها بشفافية وصراحة.

تجربة استضافة نظمي النصر في منتدى سيهات الثقافي كانت ناجحة وموفقة في كسر احتكار الكلاسيكيين لمنابر الثقافة. وهي تجربة تستحق التأسيس عليها والانطلاق منها لرصد الإبداعات في مجتمعنا وتوثيقها وحفظ طاقات أصحابها وحيثياتهم الشبه مجهولة إجتماعيا والمهمشة ثقافيا.

محمد الشافعي

محمد الشافعي | 04-14-1431 11:12 AM


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.